رجل الأعمال وعاملة النظافة
ندى بصّت لياسين بهدوء وسط صريخ الأطفال اللي كان عامل زي صفارات إنذار جوه القصر، وقالتله
إنت عادةً بتقعد بيهم فين؟
ياسين اتلخبط من السؤال، لأنه أصلًا بقاله شهور مش فاهم أي حاجة. أشار بإيده ناحية الصالة الكبيرة اللي مليانة لعب مستوردة وأجهزة ذكية وسراير إلكترونية بتتحرك لوحدها. ندى دخلت الصالة وبصّت حواليها ثواني طويلة، لدرجة إن ياسين بدأ يتوتر. الأطفال كانوا بيعيطوا كأنهم بيتخانقوا مع العالم كله، والمربيتين واقفين مرعوبين وكل واحدة فيهم شايلة طفل ومش عارفة تسكته. لكن ندى ما استعجلتش. قربت من الحيطان، لمست الستاير، بصت للسقف العالي، وبعدين قالت بهدوء غريب
البيت ده بارد أوي.
ياسين ضحك ضحكة مكسورة وقال
التكييف مقفول.
هزت راسها بالنفي.
مش قصدي الجو قصدي البيت نفسه.
الكلمة خبطته في قلبه، لأنه كان حاسس بده من يوم موت ريم، بس عمره ما عرف يوصّفه. القصر بقى عامل زي فندق فخم مهجور، كل حاجة فيه لامعة ومرتبة وغالية لكن مافيش حياة. حتى ريحة ريم اختفت. ندى طلبت من المربيات يسيبوا الأطفال ويمشوا شوية. البنات بصوا لياسين باستغراب، لكنه وافق. أول ما خرجوا، ندى شالت سارة من السرير وحطتها على صدرها. الطفلة كانت بتصرخ بعنف، لكن ندى ما حاولتش تسكتها. بالعكس قالتلها بصوت هادي
إعيطي يا حبيبتي إنتِ زعلانة، من حقك.
ياسين حس جسمه اتجمد. محدش قبل كده اتعامل مع عياط الأطفال بالشكل ده. كله كان بيحاول يوقف العياط، لكن ندى كانت بتسمعه. قربت بعدها من آدم وربّتت على ضهره بخفة وهي تهمس
عارف إنك مستغرب الدنيا
وبشكل غريب الطفل سكت. مش نوم، لا سكت كأنه أخيرًا حد فهمه. بعدها بلحظات، الباقيين بدأوا يهدوا واحد واحد، كأن صوتها كان بيفك عقدة مستخبية جواهم. وياسين وقف يبصلها بعينين مليانين رعب أكتر من
من الليلة دي، ندى بقت تيجي كل يوم. مش كمربية كأنها حضور ضروري. الأطفال بقوا يناموا جنب صوتها، وياكلوا لما تشيلهم، وحتى الممرات اللي كانت مليانة توتر بقت أهدى. والخدم بدأوا يلاحظوا حاجة غريبة. القصر فعلًا بطل يعيط. قبل كده، طول الليل كان فيه أصوات غريبة أبواب تفتح لوحدها، أجهزة المراقبة تفصل فجأة، الأطفال يصحوا كلهم في نفس اللحظة ويصرخوا ناحية أوضة ريم المقفولة. مرة واحدة، كل ده اختفى.
وفي ليلة، ياسين سأل ندى وهو واقف في المطبخ يشرب قهوة الساعة أربعة الفجر
إنتِ عملتي إيه؟
ندى رفعت عينيها ليه وقالت
ولا حاجة.
لأ. في حاجة حصلت.
سكتت شوية وبعدين قالت
مراتك كانت بتحبهم أوي صح؟
الاسم رجّع الوجع لجسمه كله. قعد على الكرسي كأنه عجوز فجأة وقال بصوت مخنوق
كانت مستنياهم من سنين.
ندى بصت لفنجان القهوة وقالت
الأطفال الصغيرين بيحسوا بالفقد أكتر من الكبار أحيانًا حتى لو مايفهموش الموت. هما كانوا داخلين بيت فيه ناس كلها بتهرب من الحزن. محدش بيقول اسم أمهم. محدش بيعيط قدامهم. محدش معترف إن في حد ناقص.
ياسين سكت، لأن كل كلمة كانت صح. هو فعلًا كان مانع أي صورة لريم قدام الأطفال. قافل أوضتها. حتى هدومها اتشالت واتحطت في المخزن لأنه ماكانش قادر يشوفها. كان فاكر إنه بيحمي نفسه ويمكن بيحميهم. لكن الحقيقة إن القصر كله كان عامل زي حد بيكذب.
تاني يوم، ندى طلبت طلب غريب.
افتح أوضة ريم.
ياسين بصّلها كأنها طلبت منه يفتح قبر.
مستحيل.
ليه؟
صرخ فجأة لأول مرة قدامها
لأني لو دخلتها هانهار!
ندى ما خافتش من صوته. قالت بهدوء
وإنت فاكر إنك لحد دلوقتي واقف؟
الكلمة كسرت آخر حاجة جواه. وبعد ساعة كان واقف
ومن الليلة دي، حاجة اتغيرت فعلًا. ياسين بقى يقعد معاهم. يشيلهم بإيده بدل ما يهرب للشغل. بقى يحكيلهم عن ريم. يورّيهم صورها. يشغل صوتها اللي كان متسجل في فيديوهات قديمة. وكل مرة اسمها يتقال الأطفال يهدوا أكتر. كأنهم أخيرًا لقوا أمهم جوه الكلام.
لكن أغرب حاجة حصلت بعد أسبوعين. ياسين صحي بالليل على صوت ضحك خفيف. قام مفزوع وخرج للممر. لقى ندى قاعدة على الأرض والأطفال حواليها، وبتضحك وهي بتحاول تخلي مالك يمسك لعبة. المنظر كان دافي لدرجة إنه وقف يتفرج من بعيد. وفجأة حس بحاجة لأول مرة من شهور. أمان. مش راحة كاملة، لا لكن أمان صغير. ولما ندى رفعت عينها وشافته، ابتسمتله ابتسامة بسيطة وقالت
تعالى ابنك بيحاول يزحف.
قرب ببطء وقعد جنبهم. ومالك فعلًا زحف ناحيته الصغيرة المتعثرة لحد ما مسك صباعه. وفي اللحظة دي، ياسين حس قلبه بيتوجع بشكل غريب، لأنه أدرك قد إيه كان غايب. كان عايش جنب أولاده لكنه مش معاهم.
الأيام عدت، والقصر بقى
مختلف. الخدم بقوا يضحكوا. الشبابيك تتفتح. صوت القرآن يرجع الصبح. حتى النباتات اللي كانت دبلانة في الجنينة بدأت تخضر تاني. لكن الناس بدأت تتكلم. شريكه مروان لاحظ إن ياسين بقى يعتمد على ندى بشكل كبير، وبدأ يلمّح له
خلي بالك
ياسين رد ببرود
الناس ما كانتش موجودة وأنا بموت كل ليلة.
لكن الحقيقة إنه هو نفسه كان خايف. لأنه بدأ يتعلق بوجودها. مش حب بالشكل اللي الناس تفهمه لا. تعلق حد غريق لقى نفس. ندى كانت بتعرف إمتى يسكت، إمتى ينهار، وإمتى يحتاج يسمع الحقيقة حتى لو بتوجعه. وفي مرة، سألها
إنتِ ليه فاهمة الحزن كده؟
ندى سكتت طويل، وبعدين قالت
لأن كان عندي بنت.
ياسين رفع عينه بسرعة. لأول مرة يسمع حاجة شخصية عنها.
فين هي؟
ندى ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت
ماتت.
الكلمة نزلت بينهم تقيلة. وعرف وقتها إن الهدوء اللي جواها ماجاش من فراغ. هي كمان كانت ماشية بنصف قلب. حكتله إنها فقدت بنتها وهي عندها سنتين، وإن جوزها سابها بعدها لأنه ما استحملش الحزن. ومن يومها وهي تشتغل في أي حاجة تهرب بيها من البيت الفاضي. ولما شافت أطفاله أول مرة خافت عليهم من نفس الوحدة اللي أكلتها.
ياسين ماعرفش يرد. لكنه لأول مرة من شهور، حس إن حد شايف وجعه من غير ما يخاف منه.
وفي ليلة مطر، الأطفال كانوا نايمين أخيرًا، وياسين واقف في البلكونة يبص للسما. ندى كانت ماشية عشان تروح، لكنه ناداها
ندى.
لفتله.
قال بصوت هادي متعب
إنتِ أنقذتنا.
هزت راسها بالنفي وابتسمت.
لأ إنتوا بس بطلتوا تهربوا من الحزن.
ونزلت السلم ببطء، بينما ياسين واقف يبص للقصر حواليه. نفس الرخام. نفس النجف. نفس الحيطان. لكن لأول مرة من ٩١ يوم البيت ماكانش بيعيط. كان بيتنفس.
بعد الليلة دي، ياسين افتكر إن أصعب مرحلة عدّت لكنه ماكانش يعرف إن الحزن الحقيقي ساعات ما بيبدأش غير بعد ما الواحد يفوق من الصدمة. لأن أول ٣ شهور بعد موت ريم كانوا مجرد نجاة. جسمه بيتحرك، يوقّع ورق، يرد على مكالمات، يشرب قهوة، يدخل اجتماعات لكن عقله كان واقف عند باب أوضة العمليات،
البقاء لله.