رجل الأعمال وعاملة النظافة
أما دلوقتي دلوقتي بدأ يستوعب فعلًا إنها مش راجعة. وإن الأطفال هيكبروا وهي مش موجودة. وإن سارة عمرها ما هتعرف ريحة أمها، وإن آدم مش هيفتكر صوتها أصلًا. الفكرة دي كانت بتقتله ببطء.
لكن رغم كده، القصر بقى مختلف. الصبح بقى له صوت. صوت رضاعة أطفال، ضحك خفيف، خطوات المربيات وهي بتجري ورا مالك لما بدأ يحبي بسرعة غريبة، وصوت ندى وهي بتزعق بحنان
يا خرابيتك هتقع يا ولد!
حتى الخدم بقوا يتنفسوا براحة. قبل كده، كل اللي في البيت كانوا ماشيين على أطراف صوابعهم كأنهم في عزاء مفتوح. أما دلوقتي، بقى فيه حياة.
وفي يوم، الحاجة سنية الطباخة القديمة وقفت قدام ندى وهي بتقطع خضار في المطبخ وقالتلها
والله يا بنتي الست ريم لو كانت عايشة كانت حبتك.
ندى سكتت لحظة، ووشها اتغير كأن الجملة وجعتها، لكنها ابتسمت وقالت
ربنا يرحمها.
الحاجة سنية قربت منها وهمست
إنتِ رجّعتي الروح للبيت.
ندى ما ردتش. لأنها من جواها كانت مرعوبة. مرعوبة تتعلق بالأطفال أكتر من اللازم. مرعوبة تحس إنها بقت جزء من البيت وبعدين يتسحب منها فجأة. هي أصلًا اتعلمت إن أي حاجة بتحبها الدنيا بتاخدها بسرعة.
وفي الليلة دي، حصل أول موقف قلب كل حاجة.
كانت الساعة داخلة على اتنين الفجر، والمطر بينزل بعنف برا، لما ليان فجأة سخنت جدًا. جسمها الصغير بقى مولع، والبنت بدأت تنتفض من
بدأ يصرخ بشكل هستيري
هاتوا العربية! اتصلوا بالدكتور! بسرعة!
لكن ندى مسكت وشه بإيديها لأول مرة وقالت بحزم
بصلي.
كان بيتنفس بسرعة كأنه بيغرق.
بصلي يا ياسين!
بصلها بالعافية.
قالت بثبات
دي حرارة مش هتموت.
الكلمة نزلت عليه كأنه طفل صغير محتاج حد يفوقه. ندى خدت ليان، ولفتها بهدوء، وقعدت تبرد جسمها بالمية وتتكلم معاها بصوت واطي. وبعد نص ساعة، الحرارة بدأت تنزل فعلًا.
ياسين كان قاعد على الأرض قدام الكنبة، وشه مدفون بين إيديه، وجسمه كله بيترعش. ندى بصتله وقالت بهدوء
إنت مش خايف عليهم وبس.
رفع عينه ليها ببطء.
إنت مرعوب تخسر حد تاني.
الكلمة فتحت جرح مستخبي. وفجأة الراجل اللي كان بيترعب منه مجال الأعمال كله، انهار قدام عاملة نظافة كانت من شهور مجرد اسم في شركة خدمات. عيط بصوت مكتوم وقال
أنا كنت معاها وماعرفتش أنقذها.
ندى قربت وقعدت جنبه من غير ما تلمسه.
الموت مش دايمًا هزيمة.
بس أنا وعدتها.
وعدتها بإيه؟
صوته اتكسر
إني هرجعها البيت.
سكتت ثواني طويلة، وبعدين قالت أهدى جملة سمعها من يوم وفاتها
يمكن هي ما رجعتش بجسمها بس هي لسه هنا في
وبعد الليلة دي، ياسين بدأ يعمل حاجات عمره ما تخيل إنه يعملها. بقى ياخد إجازات. يقفل موبايله بعد الساعة ٨. يقعد يرضّع الأطفال بنفسه لما المربيات يتعبوا. مرة الخدم شافوه نايم على الكنبة والأطفال الأربعة فوقه، فانتشرت الصورة بين
الموظفين كلهم لأن محدش كان يصدق إن ياسين المنياوي اللي الجرائد كانت بتسميه الذئب الحديدي ينام بيبرونة لبن.
لكن في المقابل الشركة بدأت تتوتر. مروان بقى شايف إن ياسين بيتغير زيادة. اجتماعات بتتأجل. سفر يتلغي. وصفقات بملايين تتساب عشان طفل عنده مغص. وفي يوم دخل عليه المكتب وقال بعصبية
إنت بتضيع!
ياسين كان شايل سارة وقتها في مكتبه، بيربت عليها وهي نايمة على صدره. رفع عينه ببرود وقال
يمكن أول مرة في حياتي أعرف يعني إيه أكسب.
مروان انفجر
بسبب ست تنظيف؟!
الصمت نزل تقيل.
ياسين وقف ببطء، وحط بنته في السرير الصغير جنب المكتب، وبعدين قرب من مروان وقال بصوت مرعب من هدوءه
إياك تقلل من احترامها تاني.
مروان خرج وهو مصدوم. لأنه لأول مرة يشوف ياسين يدافع عن حد بالشكل ده.
لكن الكلام بدأ ينتشر فعلًا. الجرايد الصفراء كتبت إشاعات. رجل الأعمال المنكوب يقع في حب عاملة نظافة. صفحات السوشيال ميديا بدأت تتكلم. وفي يوم، ندى دخلت القصر ووشها شاحب. ياسين فهم فورًا.
قال
شوفتي الأخبار.
هزت راسها.
أنا
الكلمة ضربته بعنف.
ليه؟
لأن وجودي هيأذيك.
إنتِ بتهزري؟
ندى ابتسمت بحزن وقالت
أنا طول عمري سهلة الأذى يا ياسين لكن إنت عندك أطفال. سمعتك. شركة. عالم كامل.
صرخ لأول مرة فيها
وأنا عندي إيه من غيركم؟!
سكتت الدنيا بينهم.
الأطفال وقتها كانوا في الجنينة، وضحكتهم داخلة مع الهوا. وندى حسّت قلبها بيرتعش. لأنها كانت بتحارب شعور بيكبر كل يوم. شعور إنها بقت تنتمي للمكان ده. للضحكة دي. للعيال اللي بقوا أول حاجة تفكر فيها أول ما تصحى.
لكنها كانت خايفة. مش من الناس من نفسها. من إنها تحب البيت ده، وبعدين تخسره.
وفي الليلة دي، وهي بتحاول تخرج بهدوء بعد ما الكل نام، لقت آدم واقف عند باب أوضته الصغير، ماسك بطانية ريم القديمة. الطفل كان لسه بيتعلم الكلام، لكنه بص لها بعينيه الواسعة وقال كلمة واحدة
ماما
ندى اتجمدت مكانها.
قلبها وقع.
وياسين اللي كان واقف آخر الممر سمع الكلمة. للحظة محدش اتحرك. الطفل كان باصص لندى ببراءة كاملة، كأنه أخيرًا
ندى ركعت بسرعة قدامه وعينيها مليانة دموع وقالت برجفة
لا يا حبيبي أنا ندى.
لكن آدم مد إيده الصغيرة ناحية وشها وقال تاني
ماما.
وفي اللحظة دي ياسين حس إنه بينكسر ويتصلح في نفس الثانية. لأنه لأول مرة من موت ريم، ماحسش بالذنب وهو شايف حد يحتوي أولاده. بالعكس حس براحة مرعبة. راحة خلت الدموع