سر البرواز ل جمال الحفني

لمحة نيوز

في أول مرة شافوا فيها البرواز، محدش في البيت حس إن فيه أي حاجة تستدعي القلق. كان مجرد برواز قديم جابته أم “مروان” من سوق للأنتيكات في يوم عادي جدًا، وهي أصلًا كانت بتحب الحاجات القديمة اللي شكلها غريب وملهاش شبه. البرواز كان خشبه غامق ومتآكل من الأطراف، كأنه عدى عليه سنين طويلة جدًا، والصورة اللي جواه كانت لستين بدويات قاعدين وسط الصحرا، لابسين عبايات سودا ووشوشهم جامدة بشكل غريب، لا بيضحكوا ولا حتى باين عليهم أي تعبير. الغريب إن اللي يبصلهم يحس إن عنيهم بتتبعه حتى لو اتحرك من مكانه. لكن برضه محدش اهتم. أبوه قال دي مجرد صورة قديمة، وأمه علقتها في أوضة مروان على الحيطة اللي قدام سريره عشان “الديكور”.

من الليلة الأولى، كل حاجة بدأت تتغير.

مروان كان شاب هادي جدًا، بيحب السهر شوية على الموبايل وبعدها ينام عادي، لكن الليلة دي فضل صاحي للفجر. كل شوية يقلب يمين وشمال ويبص ناحية البرواز. كان حاسس بضيق غريب، كأن الأوضة أضيق من المعتاد، والهوا تقيل بشكل يخنق. حاول يقنع نفسه إنه مرهق أو يمكن شرب قهوة زيادة، لكنه فجأة حس إن فيه حد واقف عند باب الأوضة. رفع عينه بسرعة… مفيش حد. رجع يبص للسقف، وبعد ثواني سمع صوت خفيف جدًا… صوت زي احتكاك ضوافر بخشب. بص ناحية البرواز، وساعتها أقسم إنه لمح واحدة من الستات عينيها متغيرة. كانت ميلة ناحية اليمين شوية، رغم إنه متأكد إنها في الصورة كانت باصة لقدام.

قام من السرير وقرب ببطء. قلبه كان بيدق بعنف، ولما وقف قدام البرواز حس ببرودة غريبة خارجة منه. مد إيده ولمس الزجاج… كان تلج. فجأة سمع صوت همس وراه، لف بسرعة ملقاش حاجة. جري وخرج من الأوضة وراح ينام عند أخته الصغيرة وهو بيقول إنه مخنوق بس. أهله ضحكوا وقتها

وقالوا إنه متأثر بفيلم رعب.

لكن اللي حصل بعد كده مكانش هزار.

بقى كل يوم أسوأ من اللي قبله. مروان بدأ يسكت كتير، يقعد مركز في نقطة معينة بالساعات. أمه كانت تناديه ميجاوبش، ولما تقرب منه يترعش كأنه فاق من غيبوبة. الأغرب إنه بقى يرفض يدخل أوضته بالليل لوحده. مرة أبوه زعقله وقاله “إنت راجل ولا عيل صغير؟” فدخل الأوضة بالعافية، لكن بعد نص ساعة بالظبط خرج وهو وشه أصفر وعرقان بطريقة غريبة. قال إنه كل ما يبص للصورة يحس إن الستين بيتنفسوا. محدش صدقه.

بعدها بكام يوم، أخته صحيت بالليل على صوت خطوات بطيئة في الطرقة. افتكرت إن أمها رايحة المطبخ، لكنها لما بصت من باب أوضتها شافت مروان واقف قدام باب أوضته ووشه للحائط. كان ثابت تمامًا، واقف من غير حركة. نادت عليه… مردش. قربت منه وهي مرعوبة، وفجأة سمعته بيهمس بصوت واطي جدًا: “هي واقفة ورايا… لو لفيت هتموتني”. البنت جريت تصرخ، وأهله خرجوا مفزوعين، لكن أول ما قربوا من مروان وقع على الأرض مغمى عليه.

من الليلة دي والرعب الحقيقي بدأ.

البيت كله بقى يسمع أصوات غريبة بعد نص الليل. صوت خبط خفيف ييجي من أوضة مروان رغم إنه يكون نايم، وصوت زي سحب رجلين على الأرض. مرة الأم دخلت الأوضة الصبح تنظفها، لقت البرواز متحرك من مكانه ومائل ناحية السرير، رغم إنها متأكدة إنها عدلته بنفسها قبل النوم. ومرة تانية لقوا الزجاج عليه علامات زي صوابع طويلة جدًا مرسومة من جوا، مش من بره.

مروان نفسه بدأ يتغير بشكل يخوف. بطل ياكل تقريبًا، وعينيه بقت غائرة وسودة من قلة النوم. كان كل شوية يبص ناحية ركن معين في الأوضة ويرتعش. وفي ليلة مطر، حصلت الكارثة اللي خلت البيت كله ينهار.

الساعة كانت تقريبًا ٣ الفجر لما صرخة مروان هزت البيت

كله. صرخة عمرهم ما سمعوا زيها. أبوه جري على أوضته وكسر الباب من الرعب، فلقاه متكور فوق السرير وبيبكي بطريقة هستيرية. كان بيخبط بإيده على رقبته وبيصرخ: “ابعدي عني! ابعدي!”. أمه حضنته بالعافية لحد ما هدي شوية، وساعتها بدأ يحكي وهو بيرتعش.

قال إنه صحي من النوم على إحساس ببرودة رهيبة، ولما فتح عينه لقى واحدة من الستات اللي في الصورة واقفة فوق صدره. شعرها مغطي وشها، وإيديها طويلة بشكل مش طبيعي، وأظافرها مغروزة في رقبته. قال إنه كان حاسس بنفسها البارد على وشه، وسمعها بتهمس بكلمات مش مفهومة. حاول يصرخ لكن صوته مخرجش. وبعدها الست رفعت وشها… وكانت عنيها سودا بالكامل.

أبوه حاول يقنعه إنه كابوس، لكن مروان أقسم إنه بعد ما قدر يتحرك، شافها بعنيه ماشية ناحية الحيطة… ودخلت جوه الصورة تاني.

بعد الحادثة دي، الولد اتكسر تمامًا. مبقاش يتكلم غير قليل جدًا، وأحيانًا كانوا يلاقوه باصص للصورة ويبتسم ابتسامة غريبة تخوف. مرة أمه سألته: “بتبص على إيه؟” رد بصوت واطي: “هي بتقولكم متلمسوش البرواز”.

الجملة دي خلت الرعب يدخل قلبهم كلهم.

بدأوا يدوروا على أي تفسير. دكاترة نفسيين، شيوخ، ناس تقول حسد، ناس تقول تعب نفسي. لكن مفيش حاجة كانت نافعة. وفي يوم، واحدة قريبة أم مروان قالتلهم عن شيخ معروف بالرقية، وإنه فاهم في الحاجات دي.

الشيخ جه البيت وقت المغرب. راجل كبير في السن، هادي جدًا، داخل ماسك عصاية خشب طويلة. الغريب إنه أول ما دخل الباب وقف فجأة وسكت. فضل باصص حواليه كأنه سامع حاجة محدش سامعها. بعدين من غير ما يسأل أي سؤال، مشي ناحية أوضة مروان مباشرة.

كلهم كانوا ماشيين وراه بخوف.

فتح باب الأوضة بهدوء، وأول ما عينه وقعت على البرواز، وشه اتغير فورًا. فضل

ثابت ثواني طويلة، وبعدها قال بصوت منخفض: “مين جاب الحاجة دي البيت؟”

أم مروان قالتله إنها اشترته من سوق قديم. الشيخ قرب من الصورة ببطء، وبعدين فجأة رفع العصاية وضرب البرواز بعنف رهيب. الزجاج اتكسر وتناثر في الأرض، وأم مروان صرخت من الصدمة. لكن الشيخ ما اهتمش. انحنى بسرعة ولم الصورة بإيده وهو بيقرأ قرآن بصوت عالي، وبعدها لفها في قماشة سودا كان جايبها معاه.

في اللحظة دي بالظبط… مروان اللي كان نايم في الصالة انتفض مرة واحدة، كأنه خد نفس بعد غرق طويل. فتح عينه وبص حواليه باستغراب، وقال: “إيه اللي حصل؟”

أمه جريت عليه تبكي، وهو كان باصص لهم مش فاهم ليه كلهم مرعوبين بالشكل ده. والأغرب من كده إنه مكنش فاكر أي حاجة من اللي حصلتله خلال الأيام اللي فاتت. ولا الكوابيس، ولا الصريخ، ولا حتى إنه بطل يتكلم.

الشيخ خرج من البيت وهو شايل الصورة، وقبل ما يمشي قال جملة محدش نسيها لحد النهارده: “في حاجات بنفتكرها مجرد صور… لكنها بتكون شايلة أكتر بكتير من مجرد ملامح”.

بعدها بأيام، مروان رجع طبيعي تمامًا. ينام عادي، يضحك، ياكل، وكل الرعب اختفى كأنه مكانش موجود أصلًا. لكن الغريب إن أمه بعد فترة حاولت تدور على نفس الراجل اللي باعتلها البرواز في السوق… واكتشفت إن المكان نفسه اتقفل من سنين، وإن محدش يعرف أي محل بالمواصفات دي أصلًا.

ومن يومها، محدش في البيت رضي يدخل أي قطعة قديمة مجهولة المصدر تاني، خصوصًا بعد ما أخت مروان اعترفت باعتراف مرعب جدًا…

قالت إنها قبل ما الشيخ يكسر البرواز بدقائق، كانت واقفة في الطرقة وبصت ناحية أوضة أخوها… وشافت بوضوح واحدة ست لابسة أسود واقفة ورا الباب من جوه، تبصلها بعينين سودا بالكامل… وبعدها اختفت أول ما الشيخ دخل.

ولحد

النهارده، كل ما يفتكروا اللي حصل، يجيلهم نفس السؤال…

تم نسخ الرابط