سر البرواز ل جمال الحفني

لمحة نيوز

يا ترى فعلًا كان مجرد مرض نفسي؟
ولا في بعض الصور بتفضل شايلة جواها حاجة عمرها ما خرجت منها بالكامل؟

عدّى حوالي شهرين على اللي حصل، والبيت أخيرًا رجع هادي كأن الكابوس انتهى. مروان رجع يضحك مع صحابه وينزل شغله عادي، وأمه بقت كل شوية تحمد ربنا إن ابنها رجعلها تاني بعد ما كانت فاكرة إنها هتخسره. محدش بقى يجيب سيرة البرواز نهائي، كأنهم اتفقوا من غير كلام إن الموضوع لازم يندفن ويتنسي. حتى أوضة مروان غيروا لونها وشالوا كل حاجة قديمة فيها، وأبوه بنفسه رمى الحيطة اللي كان البرواز متعلق عليها بطلاء جديد وهو بيقول: “نقفل الصفحة دي للأبد”.

لكن اللي محدش كان يعرفه… إن الصفحة دي أصلًا ما اتقفلتش.

في ليلة هادية جدًا، كانت الساعة قربت على اتنين بعد نص الليل، صحيت أم مروان على صوت مياه جاية من المطبخ. افتكرت إن الحنفية مفتوحة، فقامت وهي نص نايمة. البيت كان ضلمة وساكت بشكل يخوف، لدرجة إنها كانت سامعة صوت أنفاسها. وهي ماشية في الطرقة، لاحظت إن باب أوضة مروان مفتوح سنة صغيرة، والنور مطفي. وقبل ما تكمل للمطبخ، سمعت صوت همس جاي من جوه الأوضة.

وقفت مكانها.

الصوت كان واطي جدًا، لكنه واضح. حد بيتكلم.

افتكرت إن مروان بيكلم حد في التليفون، فقربت أكتر وهي متضايقة إنه صاحي لحد دلوقتي. لكن أول ما وصلت عند الباب، الدم اتجمد في عروقها.

مروان كان قاعد على السرير في الضلمة… لوحده.

لكنه كان بيرد على حد.

كان بيقول بهدوء غريب: “أنا قلتلك مش هرجع أبص للصورة تاني… سيبيني بقى”.

أمه حسّت برعشة قوية ضربت جسمها كله. فتحت النور بسرعة وهي بتنده عليه، فمروان اتخض وبص لها بارتباك شديد. أول ما شاف الخوف في وشها قال: “مالك يا ماما؟”

قالتله وهي بتحاول تسيطر على نفسها: “إنت كنت بتكلم مين؟”

سكت شوية، وبعدها قال: “ولا حد… كنت بحلم يمكن”.

لكن صوته نفسه كان مهزوز، وكأنه مش مقتنع بكلامه.

من الليلة دي، بدأت حاجات صغيرة تحصل تاني.

مش بنفس الرعب القديم… لكن بطريقة أهدى وأبشع.

مروان بقى كل شوية يحس إن فيه حد واقف وراه، خصوصًا قدام المرايات. مرة كان بيغسل وشه، ورفع عينه للمراية… لمح ست واقفة وراه للحظة. لف بسرعة، ملقاش حد. رجع يبص للمراية، مفيش حاجة. حاول يضحك على نفسه ويقول إنها تهيؤات بسبب اللي مر بيه، لكن الإحساس فضل ملازمه.

وبعدين بدأت الأحلام.

كل ليلة نفس الصحرا.

سماء سودا، ورياح قوية، والستين قاعدين بعيد فوق الرمل، ساكتين. كل مرة يحاول يقرب منهم، يكتشف إن عددهم زاد. اتنين بقوا أربعة. وبعدها ستة. وكلهم باصين ناحيته بنفس العيون السودة.

وفي آخر الحلم، كان يسمع نفس الجملة تتكرر:

“الصورة اتكسرت… لكن الباب لسه مفتوح”.

كان يصحى مفزوع وعرقان، لكنه مخبي على

أهله عشان ميقلقهمش.

لحد الليلة اللي كل حاجة رجعت فيها أسوأ من الأول.

كان قاعد لوحده في الصالة بيتفرج على التلفزيون، وأمه وأبوه نايمين. فجأة الكهرباء قطعت. البيت كله غرق في الضلمة، وصوت التكييف وقف. مروان قام يدور على كشاف الموبايل، لكن قبل ما يفتحه… سمع صوت خطوات بطيئة جاية من الطرقة.

تك… تك… تك…

صوت رجلين حافية بتتحرك فوق السيراميك.

وقف متجمد مكانه.

الخطوات قربت أكتر.

حاول يقنع نفسه إن أبوه صحي يشرب مياه، لكنه فجأة سمع صوت احتكاك ضوافر في الحيطة.

الصوت اللي سمعه أول ليلة.

قلبه بدأ يدق بعنف. فتح كشاف الموبايل بسرعة ووجهه ناحية الطرقة…

ومفيش حاجة.

لكن في آخر الطرقة، كان فيه أثر مياه على الأرض.

أثر رجلين.

صغيرة… وغريبة الشكل.

كأن صوابعها أطول من الطبيعي.

مروان رجع لورا بخوف، والكشاف بيترعش في إيده. وفجأة لمح حاجة خلت الدم يهرب من وشه.

على الحيطة… فوق المكان اللي كان البرواز متعلق فيه…

كان فيه ظل.

ظل ست واقفة منحنية لقدام.

ثابتة تمامًا.

مروان حاول يصرخ لكن صوته اختفى. والظل بدأ يتحرك ببطء شديد، كأنه بيطلع من جوه الحيطة نفسها.

في اللحظة دي رجعت الكهرباء.

الظل اختفى فورًا.

لكن اللي فضل موجود… كان علامة طويلة جدًا محفورة في الحيطة، كأن حد خدشها بأظافر حادة.

الصبح، أبوه شاف العلامة وسكت. لأول

مرة الراجل اللي كان رافض يصدق أي حاجة، الخوف بان في عينه بوضوح. راح بنفسه للشيخ اللي خد الصورة، لكنه اكتشف إن الشيخ مات من أسبوع.

الخبر وقع عليهم كالصاعقة.

الراجل الوحيد اللي كان فاهم إيه اللي بيحصل… مات.

لكن الأغرب إن ابن الشيخ لما سمع اسم البرواز، وشه شحب فورًا وقالهم حاجة محدش كان مستعد يسمعها.

قال إن أبوه قبل ما يموت بيومين كان بيهذي طول الوقت بكلمة واحدة:

“الصورة رجعت”.

أبوه كان محتفظ بالبرواز في مخزن بعيد عن البيت، مقفول عليه بسلاسل. وبعد موته، لما فتحوا المخزن… لقوا القماشة السودة مقطوعة، والزجاج المكسور مرمي على الأرض.

أما الصورة نفسها…

فاختفت.

مروان لما سمع الكلام ده، حس إن رجليه مش شايلينه. ومن الليلة دي بدأ يسمع الهمس تاني، لكن المرة دي بوضوح أكتر.

صوت ست عجوز بتقول:

“إنت شوفتنا… واللي يشوفنا مينساش”.

بقى يخاف ينام، لأن كل ما يغمض عينه يشوف نفس الصحرا ونفس الستات، لكن في آخر مرة حصلت حاجة مختلفة.

شاف نفسه واقف وسط الرمل، والستات حواليه عاملين دايرة كبيرة. كانوا كتير جدًا… عشرات. وكلهم وشوشهم مغطية بشعرهم. وفجأة واحدة منهم قربت منه ومدتله البرواز بإيديها.

وقالتله:

“دورك تشيلنا”.

وصحي على صوت تكسير جاي من أوضته.

جري هو وأبوه وأمه، ولما فتحوا الباب اتصدموا.

المراية الكبيرة اللي في أوضته

كانت متكسرة بالكامل.

لكن الغريب إن قطع الإزاز المكسور كانت مرصوصة على الأرض بشكل مرعب…

عاملة نفس شكل الست اللي في الصورة القديمة.

تم نسخ الرابط