طفلة شبرا

لمحة نيوز

أنا عمري ما كنت حرامية شاطرة… كنت بس واحدة الدنيا عضّتها زيادة عن اللزوم. الشوارع علمتني أجري قبل ما أفكر، وأكدب قبل ما أتكلم، وأمد إيدي للحاجة اللي مش بتاعتي لما بطني توجعني وما ألاقيش حد يسأل إذا كنت لسه عايشة ولا لأ. الليلة دي في شبرا كنت ماشية من غير هدف، المطر كان مرشوش خفيف على الأسفلت، والهوا ساقع رغم إننا في آخر الصيف، وأنا حاسة إن الدنيا كلها قافلة بابها في وشي. لمحـت العمارة القديمة واقفة وسط الشارع كأنها ست عجوز تعبانة، الشبابيك مقفولة، السلم ضلمة، والبواب مش موجود. قلت لنفسي: رزق. طلعت بهدوء، قلبي بيدق بس مش من الخوف… من الجوع. كنت داخلة أدور على أي حاجة تتباع، موبايل قديم، خاتم، حتى شاحن. لكن أول ما دخلت الشقة حسيت إن المكان نفسه موجوع. الصمت تقيل، والريحة خليط بين تراب وأكل بايت وريحة دواء. وفي وسط الصالة لعب أطفال مرمية بطريقة تخلي الواحد يحس إن اللي ساكن هنا كانوا بيحاولوا يعيشوا طبيعي رغم إن الحياة كانت بتقاومهم. وبعدها سمعت الصوت الصغير… “ما تاخديش البطانية بتاعتي”. وقتها بس فهمت إن الليلة دي مش شبه أي ليلة عدت عليا.

دخلت الأوضة وشفت رحمة. البنت الصغيرة

العمياء اللي قاعدة على الكرسي كأنها جزء من العفش. كانت هادية بطريقة مرعبة، وكأن السكوت بقى لغتها الوحيدة. لما سألتها عن اسمها ردت بسرعة كأنها مستنية حد يكلمها من زمان، ولما قالتلي إن أمها ممكن “تبيعها تاني” حسيت إن قلبي اتخبط في ضلوعي. ماكنتش فاهمة تقصد إيه، لكن كان واضح إن البنت عايشة وسط ناس بيعاملوها كأنها حمل مش بني آدمة. قربت منها بهدوء، وفكيت الحبل من غير ما تحس، ولما لمست إيدي قالتلي: “إيدك بردانة… بس طيبة.” الكلمة دي كسرتني. أنا اللي طول عمري الناس بتبصلي بقرف وخوف، طفلة صغيرة شايفة فيا طيبة لمجرد إني ادتلها طبق فول دافي.

وفجأة سمعنا صوت المفتاح في الباب. رحمة اتشبثت فيا كأنها بتغرق. وأنا لأول مرة في حياتي حسيت إن لازم أهرب… بس مش لوحدي. خدت نفس طويل وشلتها بين إيديا واستخبيت ورا باب المطبخ. دخلت ست بصوت كعب عالي وريحتها سجاير وعطر رخيص. كانت بتتكلم في الموبايل بعصبية: “أيوه البنت موجودة… .” ماقالتش حاجة صريحة، لكن نبرة صوتها خلتني أفهم إن رحمة مجرد وسيلة عشان تاخد شفقة الناس. الست دخلت أوضة تانية تدور على حاجة، وأنا استغليت اللحظة وخرجت أجري. نزلت السلم وأنا

شايلة رحمة، وهي مستخبية في رقبتي وبتتنفس بسرعة. الدنيا كانت ضلمة، وقلبي بيدق بجنون، بس لأول مرة ماكنتش خايفة على نفسي.

خرجنا للشارع والمطر زاد. رحمة رفعت وشها للسما وقالت: “هو المطر شكله عامل إزاي؟” السؤال وجعني أكتر من أي حاجة. وقفت تحت عمود نور وقلت لها: “عامل زي حبات نور صغيرة بتنزل من السما.” ابتسمت. ابتسامة صغيرة أوي، بس حسيت إنها نورت الشارع كله. أخدتها معايا لمكان كنت بنام فيه زمان فوق سطح عمارة قديمة. فرشتلها بطانية، وجبت أكل من عربية فول تحت البيت. فضلت تاكل وهي بتحكيلي عن نفسها، عن صوت العصافير اللي بتحبه، وعن إنها نفسها تشوف البحر حتى لو بعيني حد تاني. كانت بتتكلم ببساطة تخلي الدنيا كلها تبان أصغر وأنضف.

الأيام اللي بعد كده غيرتني بالتدريج. لأول مرة بقيت أصحى الصبح عشان حد مستنيني. بقيت ألف على جمعيات وأسأل عن مدارس للمكفوفين، وأتعلم إزاي أتعامل معاها. رحمة كانت ذكية بشكل يجنن، تحفظ الأصوات من أول مرة، وتعرف الناس من خطواتهم. وكانت دايمًا تقوللي: “إنتِ صوتك حزين… بس لما تضحكي بحس إن الشمس طلعت.” وأنا فعلًا بقيت أضحك. بقيت أشتغل في محل كشري صغير بدل السرقة،

وصاحب المحل رضي يشغلني لما شاف رحمة ماسكة في إيدي. كل يوم كنت برجع بتعب الدنيا، لكنها أول ما تسمع صوتي تجري ناحيتي وهي تضحك، فأحس إن التعب كله بيتبخر.

بعد شهور عرفنا إن الست اللي كانت معاها مش أمها الحقيقية، وإن أمها كانت ست غلبانة ماتت من سنين، والبنت اتنقلت بين بيوت كتير لحد ما انتهى بيها الحال في الشقة دي. لما رحمة سمعت الحقيقة سكتت وقت طويل، وبعدين سألتني بهدوء: “يعني أنا ماعنديش أم؟” وماعرفتش أرد. لكن بعدها بثواني مدت إيدها تتحسس وشي وقالت: “خلاص… يبقى ربنا بعتلي إنتِ.” يومها أنا بكيت لأول مرة من سنين من غير ما أخبي دموعي.

كبرت رحمة شوية، وبقى عندها جهاز صغير يساعدها تسمع الكتب، واتعلمت تمشي بالعصاية البيضاء، وبقت تحفظ الشوارع أكتر مني. وأنا… بقيت إنسانة تانية. بقيت أخاف أرجع للسرقة عشان ما أخسرهاش. بقيت لما أشوف طفلة في الشارع أفتكر رحمة وهي قاعدة مربوطة في الكرسي مستنية حد يحن عليها. وفي يوم وهي قاعدة جنبي فوق السطح وقت الغروب، قالتلي فجأة: “إنتِ عارفة؟ أنا عمري ما زعلت إني مش بشوف.” استغربت وسألتها ليه، فقالت وهي مبتسمة: “عشان يمكن لو كنت بشوف… ماكنتش هعرف

أشوف قلبك.”

تم نسخ الرابط