طفلة شبرا
الكلمة دي فضلت جوايا سنين. وكل ما أفتكر الليلة اللي دخلت فيها أسرق شقة في شبرا، أفهم إن ربنا أوقات بيخلّي الواحد يضيع… بس عشان يلاقي حاجة أهم من نفسه. أنا دخلت أدور على فلوس، لكن خرجت ببنت صغيرة رجّعتلي روحي. ورحمة؟ رحمة ماكنتش طفلة عمياء زي ما الناس كانت شايفاها… رحمة كانت النور الوحيد اللي عرف يخلّي واحدة زيي تبطل تخاف من الحياة، وتبدأ من جديد.
عدّى على الليلة دي سنتين كاملين، لكن لحد دلوقتي كل ما أعدّي من شارع شبه الشارع اللي لقيت فيه رحمة، قلبي يدق بنفس الطريقة. الحياة ما اتحولتش فجأة لفيلم جميل، بالعكس… كانت صعبة، متعبة، وفيها أيام كنت بحس إني هغرق من كتر المسؤولية. بس الفرق إن المرة دي ماكنتش لوحدي. بقيت كل ما أتعب ألاقي صوت رحمة من آخر الأوضة وهي بتناديني: “إنتِ رجعتي؟” فأحس إن الدنيا لسه فيها سبب يخليني أكمل.
رحمة بقت تحفظ تفاصيل البيت أكتر مني. تعرف مكان الكوباية لو اتحركت سنتي واحد، وتشم ريحة الأكل من أول ما يتحط على النار. وكانت دايمًا تصر تساعدني رغم إني أرفض. مرة صحيت بدري عشان أنزل الشغل، لقيتها قاعدة على الأرض بتحاول تطبق الهدوم الصغيرة بتاعتها بإيديها الرفيعة. قلتلها بسرعة: — سيبيهم يا حبيبتي، هعملهم أنا. رفعت وشها ناحيتي وقالت بزعل: — إنتِ بتتعبي طول اليوم… وأنا عايزة أبقى مفيدة. الكلمة دي كسرتني بطريقة غريبة. طفلة طول عمرها حاسة إنها عبء على الناس، لدرجة إنها بتخاف
في الفترة دي كنت اشتغلت في مطعم أكبر شوية. المرتب يادوب يكفينا، لكن لأول مرة في حياتي كنت بدفع إيجار في معاده، وبشتري أكل من فلوسي الحلال. ساعات كنت أرجع مرهقة لدرجة إني أنام وأنا قاعدة، لكن رحمة كانت تعرف تخليني أضحك مهما كنت مهدودة. كانت تقلد أصوات الزباين اللي يسمعوهم في الشارع، أو تحكيلي قصص غريبة اخترعتها من خيالها. كانت بتحب تتخيل شكل الناس من أصواتهم. تقوللي مثلًا: — الست اللي تحت دي شكلها لابسة أخضر. أسألها: — عرفتي منين؟ فتضحك: — صوتها أخضر. ماكنتش فاهمة قصدها، لكن كنت أحب طريقتها في وصف الدنيا. كأنها شايفاها بطريقة أعمق مننا كلنا.
وفي يوم وأنا راجعة البيت، لقيت صاحبة العمارة مستنياني على السلم. الست كانت دايمًا باصة لنا باستحقار، من أول يوم سكنت فيه. قالتلي وهي مكتفة إيديها: — البنت دي مالها؟ اتوترت فورًا. — مالها يعني؟ — الناس بتتكلم… بيقولوا إنك مش أمها. سكتُّ. قالت وهي بتضيق عينيها: — وبعدين؟ إنتِ جايباها منين؟ حسيت الدم بينسحب من وشي. للحظة خوفت… خوفت حد ياخدها مني. خوفت ترجع تتبهدل تاني بين الناس. لكن قبل ما أتكلم، سمعت صوت رحمة من جوه الشقة وهي بتنادي: — ماما؟ الكلمة وقفت الزمن. صاحبة العمارة بصتلي، وأنا بصيت للباب، وقلبي اتقلب جوايا. أول مرة تناديني كده. أول مرة تقولها بشكل واضح وصريح، من غير تردد. دخلت الشقة بسرعة وقفلت الباب، لقيتها واقفة في نص الصالة
بعدها بأيام حصلت حاجة عمرها ما غابت عن بالي. كنت قاعدة بالليل على السطح أنشر الغسيل، ورحمة جنبي تسمع الراديو الصغير بتاعها. فجأة سألتني: — هو أنا وحشة؟ لفّيت ناحيتها بسرعة. — مين قالك كده؟ سكتت شوية وبعدين قالت: — سمعت الستات تحت بيقولوا إن البنت العمياء دي ربنا ابتلاها. قلبي وجعني. قربت منها وقعدت جنبها. — بصي يا رحمة… الناس ساعات بتقول كلام لأنها مش فاهمة. لكن إنتِ مش وحشة، وإنتِ مش ناقصة. إنتِ عندك قلب ناس كتير نفسها يبقى عندها نصه. سكتت شوية وبعدين قالت: — بس أنا نفسي أشوفك. الجملة دخلت في قلبي زي السكينة. سألتها: — ليه؟ ابتسمت وقالت: — عشان أتأكد إن ملامحك حلوة زي صوتك.
في الليلة دي فضلت صاحيـة أبصلها وهي نايمة. كنت خايفة من المستقبل بشكل مرعب. خايفة أكبر وأنا مش قادرة أحميها. خايفة ييجي يوم تسألني عن حاجات ماعرفش أجاوبها. لكن وسط كل الخوف، اكتشفت حاجة غريبة… إني لأول مرة في حياتي عندي حاجة أخاف عليها. زمان كنت لو متّ محدش هيفرق معاه. دلوقتي بقيت أخاف حتى من دور برد عشان ما أتعبش وأسيبها لوحدها.
ومع الوقت رحمة بقت معروفة في الحي. كل الناس
وفي يوم مطر طويل، الكهربا قطعت، والدنيا غرقت ضلمة. قعدنا جنب الشباك نسمع صوت المطر. رحمة مدت إيدها للهوا وقالت: — هو المطر لونه إيه؟ ضحكت. — رجعنا لنفس السؤال؟ قالت بحماس: — كل شوية بحسه لون مختلف. فكرت شوية وقلت: — النهارده لونه دافي… شبه الحضن. ابتسمت وسندت راسها على كتفي. — يبقى النهارده شبهك.
عدت الشهور، وكبرت رحمة أكتر، وبقي عندها أصحاب في المدرسة الجديدة، وبقت تحفظ أغاني وتغني بصوت صغير جميل. والمدرسة نفسها قالت إن عندها موهبة قوية في الحفظ واللغة. كنت كل ما أسمع حد يمدحها أحس بفخر عمري ما دقته قبل كده. أنا اللي طول عمري الناس تبصلي كإني مشكلة، بقيت سبب في إن طفلة تضحك وتتعلم وتحلم.
وفي ليلة هادية، بعد يوم شغل طويل، سألتني فجأة: — إنتِ ندمانة إنك دخلتي الشقة دي اليوم ده؟ ضحكت وسط دموعي. — لأ. — حتى لو حياتك اتغيرت كلها؟ حضنتها وقلت: — دي أول مرة حياتي تتصلح أصلًا.
ورحمة سكتت ثواني، وبعدين همست بصوت نعسان: — يبقى أنا كمان محظوظة… عشان الحرامية الوحيدة اللي دخلت حياتي،