هوان زوجتي

لمحة نيوز

اسمي خافيير، ومتجوز من لورا بقالنا تسع سنين، وعندنا طفلين وبيت صغير في بويبلا، والناس كلها كانت شايفة إننا العيلة المثالية اللي مفيهاش غلطة، بس الحقيقة إن البيت اللي من بره شكله هادي كان مليان صمت تقيل محدش يسمعه غير اللي عايش جواه. لورا كانت ست من النوع اللي يشيل البيت على ضهره من غير شكوى، تصحى قبل الكل، تحضر الفطار، تجهز الولاد، تراجع معاهم الواجب، تفتكر مواعيد الدكاترة، تدفع الفواتير، وتنام آخر واحدة بعد ما تتأكد إن كل حاجة في مكانها. وأنا؟ كنت واخد كل ده كأمر طبيعي، كإني متجوز آلة مش بني آدمة عندها قلب بيتعب ويحتاج كلمة حلوة أو حضن أو حتى اهتمام بسيط. مع الوقت بقيت غرقان في الشغل، أو ده اللي كنت بقوله لنفسي، وبقيت أرجع البيت متأخر، عصبي، ساكت، حتى كلامي معاها بقى أوامر أو ردود قصيرة. ولورا كانت تسكت.

وده كان أسوأ شيء. لأن الست لما تبطل تتكلم، تبقى وصلت لمرحلة أخطر من الزعل.

في يوم خميس ممطر دخلت كافيه في وسط بويبلا، وكنت مرهق ومضغوط ومش طايق نفسي، ولما رفعت عيني شفت لورا قاعدة جنب الشباك. كانت مختلفة. شعرها سايباه، لابسة حلق صغير كنت جايبهولها من سنين ومشفتوش في ودانها من زمان، وبتضحك. الضحكة اللي اختفت من بيتنا بقالها سنين. قدامها كان فيه راجل شيك، أصغر مني شوية، مركز معاها وهي بتتكلم كأن مفيش في الدنيا غير صوتها. وفجأة مد إيده فوق الترابيزة ومسك إيدها. ولورا ما سحبتش إيدها. في اللحظة دي حسيت الدنيا كلها بتلف بيا. صدري ضاق، ونفسي اتقطع، وحاجة جوه قلبي وجعتني بطريقة عمري ما حسيتها. مشيت من غير ما أدخل عليهم، وفضلت ألف بالعربية في الشوارع والسؤال بياكل دماغي: مين الراجل ده؟ وإزاي لورا تبص لحد بالشكل

ده؟ وإزاي الضحكة اللي ماتت معايا ترجع مع حد غيري؟

رجعت البيت متأخر، ولقيت كل حاجة طبيعية بشكل مرعب. الولاد بيلعبوا، الأكل جاهز، والتلفزيون شغال بصوت واطي. لورا بصتلي وقالت بهدوء: “اتأخرت.” الكلمة كانت عادية، بس حسيت فيها مسافة عمر كامل. طول العشا وأنا ساكت، وهي ساكتة، لحد ما الولاد ناموا وقلتلها إني عايز أتكلم. قعدنا على ترابيزة المطبخ، نفس الترابيزة اللي شهدت سنين حياتنا كلها، وقلتلها إني شوفتها النهارده. ما اتوترتش، ما اتخضتش، بس بصتلي وقالت: “أخيرًا انتبهت.” بعدها قامت وطلعت ملف أزرق من الدرج وحطته قدامي. فتحته بإيد بتترعش، ولقيت صور ليا في أماكن كتير، ملامحي متغيرة، شكلي مرهق، أوقات راجع البيت متأخر، أوقات قاعد لوحدي في العربية، وأوقات واقف قدام المستشفى وأنا سرحان. مافيش حاجة غلط بالمعنى اللي في دماغي،

لكن كان فيه شيء أوضح من أي دليل… كان فيه راجل بيضيع من بيته يوم بعد يوم.

قالتلي بهدوء وهي بصالي: “أنا كنت بجمع الحاجات دي عشان أفكرك بنفسك… لأنك نسيت إحنا مين.” سكتت شوية وبعدين قالت: “الراجل اللي شوفته معايا اسمه مارتين. دكتور نفسي.” حسيت الأرض سحبت من تحت رجلي. قالت إنها بقالها شهور بتروحله، لأنها وصلت لمرحلة ما بقتش قادرة تتنفس جوه البيت، وإنها كانت محتاجة حد يسمعها قبل ما تنهار. وقالت إن أول مرة راحتله كانت بعد الليلة اللي رجعت فيها وأنا حتى ما سألتهاش ليه كانت بتعيط في الحمام ساعتين. أنا أصلًا ماكنتش فاكر الليلة دي. لكن هي كانت فاكرة كل حاجة. فاكرة إني بقيت بعيد، فاكرة إني بقيت أتكلم مع الكل إلا هي، فاكرة إني لما أرجع البيت أبص في الموبايل أكتر ما أبص في وش ولادي، فاكرة إنها بقت تحس إنها شغالة عندي

مش زوجتي.

تم نسخ الرابط