هوان زوجتي

لمحة نيوز

كنت سامعها وحاسس إني بتفرج على خراب بنيته بإيديا من غير ما أحس. سألتها وأنا صوتي مكسور: “ومسك إيدك؟” لورا بصتلي طويلاً وقالت: “كنت بانهيار عصبي يا خافيير… كنت بحكيله إني بقيت حاسة إني غير مرئية… وهو كان بيهديني.” وبعدها قالت الجملة اللي قسمتني نصين: “إنت آخر واحد لمس إيدي بحب من سنين… وبعدها بطلت حتى تبصلي.”

في الليلة دي ما نمتش. فضلت قاعد في الصالة أبص للبيت. للصور. للعب الأطفال. للبطانية اللي كانت لورا بتغطي بيها الولاد. وفهمت لأول مرة إن الإهمال ممكن يقتل أي شيء حلو من غير صوت. تاني يوم صحيت بدري لأول مرة من سنين، حضرت الفطار، ووديت الولاد المدرسة. لورا كانت مستغربة، لكن ما قالتش حاجة. الأيام اللي بعدها حاولت أتكلم معاها، أسمعها، أرجع البيت بدري، أقعد مع الولاد، أساعد في البيت، لكن كان واضح إن

الجرح أعمق من شوية تصرفات متأخرة.

في يوم قالتلي إنها تعبت. مش من البيت… مني أنا. وقالت إنها مش عايزة طلاق، لكنها مش قادرة تكمل بنفس الطريقة. اقترحت إننا نروح لجلسات علاج أسري. زمان كنت هرفض وأضحك، لكن وقتها وافقت فورًا. أول جلسة كانت كأن حد بيكشف روحي قدام الناس. المعالجة سألت لورا: “إيه أكتر شيء وجعك؟” فقالت من غير تفكير: “إني بقيت أحس إني لو اختفيت… مش هياخد باله.” الجملة دي فضلت ترن في ودني أيام.

بدأت ألاحظ حاجات عمري ما انتبهتلها. إنها بقت تاكل لوحدها كتير. إنها بطلت تشتري هدوم لنفسها. إنها بقت تضحك مع الولاد أكتر ما تضحك معايا. وإنها كل ليلة كانت تستنى كلمة حلوة ما بتيجيش. بدأت أحاول أصلح، مش بالكلام، بالفعل. بقيت أرجع بدري حتى لو الشغل متراكم. بقينا نتمشى سوا بعد ما الولاد يناموا. سألتها عن

أحلامها لأول مرة من سنين. اكتشفت إنها كانت نفسها تفتح مكتبة صغيرة للأطفال. حاجة بسيطة جدًا… لكنها دفنت الحلم عشان البيت والمصاريف وأنا.

بعد شهور من المحاولات، بدأت لورا ترجع تضحك تاني. مش طول الوقت، لكن أحيانًا. وكنت أحس إن الضحكة دي مكافأة أكبر من أي حاجة في الدنيا. في يوم دخلت المطبخ ولقيتها بتغني وهي بتطبخ. وقفت أسمعها من غير ما تحس، وحسيت دموعي قربت تنزل. لأن البيت اللي كان بيضيع بدأ يرجع يعيش تاني.

لكن الحقيقة إن الغفران ما بيجيش مرة واحدة. كان فيه أيام ترجع تبصلي فيها بنظرة وجع قديم. وأيام تسكت فجأة وسط الكلام. وأيام تقوم من جنبي بالليل وتقعد لوحدها في البلكونة. كنت بروحلها وأسألها: “لسه زعلانة؟” فتقولي: “لسه بتعافى.” وساعتها فهمت إن الإنسان ممكن يكسّر قلب حد سنين… ويحتاج سنين تانية عشان يصلحه.

بعد سنة كاملة، أخدت لورا لمحل صغير في وسط بويبلا. كان فاضي ولسه بيتجهز. سألتني باستغراب: “إيه ده؟” طلعت المفاتيح وحطيتها في إيدها وقلتلها: “مكتبتك.” بصتلي وسكتت، وبعدها عيطت لأول مرة قدامي من يوم الملف الأزرق. حضنتني وقتها، وحسيت إن الحضن ده رجوع من مكان بعيد جدًا.

دلوقتي، بعد كل اللي حصل، بقيت أفهم إن البيت مش جدران ولا فواتير ولا أكل جاهز. البيت شخص بيحاول كل يوم يحبك رغم تعب الدنيا. ولما الشخص ده يتعب منك وتسكت روحه، ساعتها تعرف إنك كنت بتخسر أهم حاجة في حياتك من غير ما تحس. أنا كنت فاكر إن الرجولة شغل وصوت عالي وسيطرة. لكن الحقيقة إن الرجولة إنك تحافظ على قلب اللي بيحبك قبل ما يبرد منك. ولورا… الست اللي كنت فاكر إنها هتفضل موجودة مهما حصل… علمتني متأخر إن أهدى القلوب لما تنكسر، صوتها بيكون مرعب

أكتر من أي صراخ.

تم نسخ الرابط