صدمة ما بعد الغيبوبة

لمحة نيوز

إلينا ماقدرتش تفتح عينيها، لكن عقلها كان صاحي بكل تفصيلة بتحصل حواليها. قلبها كان بيدق ببطء تحت صوت الأجهزة، وأنفاسها طالعة كأنها جاية من مكان بعيد جدًا. آخر حاجة كانت تتخيل إنها تسمعها وهي محبوسة جوه جسم مش قادر يتحرك… كانت همسة ابنها الصغير، جاستن، وهو بيترعش من الخوف جنب سريرها في المستشفى.

“ماما… أوعي تفتحي عينيكي. بابا مستنيك تموتي عشان هو وتيتا ياخدوا كل حاجة.”

الكلمات دخلت جواها زي صدمة كهربا. حاولت تتحرك، تصرخ، تفتح عينيها، تعمل أي حاجة تثبت إنها لسه موجودة… لكن جسمها كله كان تقيل كأنه حجر غارق تحت البحر.

المستشفى في تاجيج كانت هادية بشكل مرعب. نور أبيض بارد، صوت أجهزة منتظم، وريحة مطهرات خانقة. كانوا بيقولوا إنها نجت بمعجزة بعد حادثة العربية فوق منحدرات تاجايتاي، وإن فرص رجوعها ضعيفة جدًا. لكن إلينا كانت فاكرة كل حاجة قبل الحادثة وكأنها حصلت من دقيقة.

فاكرة ليلة المطبخ.

فاكرة مارك وهو قاعد قدامها ببرود غريب، لابس قميص أبيض مكوي بعناية، وحاطط أوراق قدامها على الرخامة الرخامية اللي كانت دايمًا بتلمع زيادة عن اللزوم.

“إجراءات بسيطة يا إلينا… ضرايب وتأمينات.”

لكنها كانت أذكى من

كده.

قرأت الورق واكتشفت إن كل أملاكها، الشركة اللي ورثتها من أبوها، البيت، الحسابات البنكية، حتى الصندوق الاستثماري اللي معمول باسم جاستن… كله بيتحول لاسم مارك.

رفعت عينيها وقتها وقالت بثبات: “إنت فاكرني غبية؟”

مارك ما اتعصبش. وده اللي خوفها أكتر.

ابتسم بس ابتسامة باردة وقال: “أنا جوزك.”

“وده مش معناه إني أمضي على مستقبلي ومستقبل ابني.”

بعدها قام من مكانه ببطء، قرب منها، وقال بصوت واطي: “إنتِ دايمًا معقدة كل حاجة.”

في نفس الليلة، وهي راجعة بعربيتها من زيارة قصيرة لصديقة قديمة، الفرامل اختفت فجأة وهي نازلة الطريق الجبلي. حاولت تتحكم بالعربية، حاولت تصرخ، لكن العربية لفت حوالين نفسها كأنها لعبة واتقلبت وسط الضباب والصخور.

والمفروض إنها كانت تموت.

لكنها ما ماتتش.

ومن وقتها وهي حبيسة السكون.

في أوضة المستشفى، بعد دخول الشرطة بلحظات، الجو اتقلب تمامًا.

سمعت صوت كرسي بيتحرك بعنف، وصوت مارك المتوتر: “إيه الهبل ده؟! أنا ماعرفش أي حاجة!”

الضابط رد بهدوء: “في تحويلات مالية اتبعت لميكانيكي قبل الحادثة بيومين. واسمك موجود فيها.”

كلارا حاولت تتدخل بسرعة: “أكيد فيه سوء فهم.”

لكن جاستن لأول

مرة اتكلم بصوت عالي: “أنا سمعتهم! سمعت بابا وتيتا وهما بيتكلموا عن العربية!”

إلينا حست قلبها بيتقطع على ابنها. طفل عنده تسع سنين شايل خوف أكبر من سنه بكتير.

الأوضة بقت فوضى. أصوات عالية، خطوات، أسئلة، وأجهزة بتطلع صفارات خفيفة مع ارتفاع نبضها.

وفجأة…

إيدها اتحركت مرة تانية.

الممرضة شهقت: “صابعها اتحرك!”

الدكتور قرب بسرعة.

“إلينا؟ لو سامعانا حركي إيدك تاني.”

ركزت بكل قوتها.

وحركتها فعلًا.

صرخة جاستن كانت أول صوت مليان فرحة حقيقية من وقت الحادثة: “ماما رجعت! قلتلكم!”

بعد ساعات طويلة من الفحوصات والمتابعة، قدرت تفتح عينيها أخيرًا.

النور ضربها بقوة، وصورة جاستن وهو بيعيط جنبها كانت أول حاجة تشوفها.

“ماما…”

صوته كان مكسور، صغير، ومتعلق فيها كأنها النجاة الوحيدة في الدنيا.

حاولت ترفع إيدها بصعوبة ولمست شعره.

ومن اللحظة دي… كل حاجة اتغيرت.

التحقيقات بدأت تكشف أسرار ماحدش كان يتخيلها. مارك كان غارق في ديون ضخمة بسبب صفقات فاشلة خبّاها عنها سنين. وكلارا كانت بتحاول تسيطر على الشركة بعد اختفاء إلينا، لأنها طول عمرها شايفة إن أختها الصغيرة أخدت الحياة اللي كانت نفسها فيها.

لكن الحقيقة

الأكبر ظهرت من شخص ماحدش انتبه له.

الممرضة “أنجيلا”.

قبل الحادثة بيوم، إلينا كانت حاسة إن فيه حاجة غلط. خوف داخلي ماكانش مريحها. عشان كده راحت للمحامي أستاذ سانتوس وغيرت الوصية بالكامل. وسجلت رسالة فيديو كمان، حطتها مع الأوراق القانونية.

ولما أستاذ سانتوس شغّل الفيديو قدام الشرطة…

ظهرت إلينا على الشاشة بهدوء وهي بتقول: “لو الرسالة دي بتتفتح، يبقى حصل حاجة ماكنتش صدفة.”

مارك وقتها فقد هدوءه بالكامل.

أما جاستن، ففضل ماسك إيد أمه طول الجلسة كلها، كأنه خايف تختفي تاني.

بعد أسابيع، خرجت إلينا من المستشفى على كرسي متحرك، لكن روحها كانت أقوى من أي وقت فات. الصحافة كانت مستنية برا، والناس بتتكلم عن “سيدة الأعمال اللي رجعت من الموت”.

لكن هي ماكانش فارق معاها أي عنوان.

كل اللي كانت مركزة فيه… هو ابنها.

رجعوا يعيشوا في بيت صغير هادي بعيد عن القصر الكبير اللي كان مليان توتر وخوف. جاستن بقى ينام مرتاح لأول مرة من شهور، وإلينا بدأت تتعافى ببطء، يوم ورا يوم.

وفي ليلة مطر هادية، وهي قاعدة مع ابنها في البلكونة الصغيرة، سألها جاستن بصوت بريء: “ماما… إنتِ كنتِ سامعاني وأنا بكلمك؟”

بصتله وعينيها دمعت.

“كنت سامعاك يا حبيبي… صوتك هو اللي رجعني.”

جاستن حضنها بقوة.

ولأول مرة من زمن طويل…

إلينا حست إنها نجت فعلًا.

تم نسخ الرابط