صدمة ما بعد الغيبوبة

لمحة نيوز

بعد شهور من خروج إلينا من المستشفى، الحياة بدأت تهدى تدريجيًا… أو على الأقل ده اللي كانت بتحاول تقنع نفسها بيه.

البيت الصغير اللي استأجرته على أطراف المدينة ماكانش فيه فخامة القصر القديم، ولا السقف العالي، ولا الأرضيات الرخام، لكن كان فيه حاجة عمرها ما حست بيها هناك…

الأمان.

كل صباح كانت تصحى على صوت جاستن وهو بيجري في الممر الضيق الصغير، أو بيحاول يعمل فطار ويحرق التوست، ويضحك بخجل لما الدخان يملأ المطبخ.

“كنت فاكر نفسي شيف عالمي.”

فتضحك لأول مرة من قلبها من شهور.

إلينا كانت لسه بتتعافى. رجليها بدأت تستجيب للعلاج الطبيعي، لكنها كانت بتتعب بسرعة، وكتير كانت تصحى من النوم مخضوضة على صوت الفرامل وهي بتصرخ في ودانها كأن الحادثة بتحصل من جديد.

لكن جاستن كان دايمًا موجود.

كل ليلة قبل النوم، يدخل أوضتها ويتأكد إنها بخير.

“محتاجه حاجة يا ماما؟”

وفي مرة سألته وهي مبتسمة: “ليه بقيت كبير كده بسرعة؟”

رد عليها وهو باصص للأرض: “عشان كنت خايف أخسرك.”

الكلمة

كسرت قلبها أكتر من أي حاجة.

بدأت إلينا ترجع تشتغل بالتدريج في شركتها، لكن المرة دي بشكل مختلف. كانت بتحضر اجتماعات قليلة من البيت، ومع كل ورقة تمضيها كانت تراجعها عشر مرات. الثقة اللي اتكسرت جواها ما رجعتش بسهولة.

وفي يوم، وهي قاعدة قدام اللابتوب، وصلها ظرف أبيض من غير اسم مرسل.

فتحته بحذر.

كان فيه صورة قديمة جدًا.

صورة ليها وهي طفلة صغيرة، واقفة جنب كلارا قدام بيتهم القديم في الريف.

وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط إيد: “مش كل الأسرار ماتت.”

إلينا حسّت رعشة باردة تعدي في جسمها.

فضلت تبص للصورة لدقايق طويلة. الصورة دي كانت عند أمها زمان، والمفروض إنها اختفت بعد وفاتها بسنين.

في نفس الليلة، راحت عند المحامي أستاذ سانتوس.

المكتب بتاعه كان قديم وهادي، مليان ريحة ورق وخشب معتّق. الراجل العجوز بص للصورة وسكت شوية قبل ما يقول: “في حاجة كنتِ صغيرة قوي لما حصلت.”

إلينا حست قلبها يدق أسرع. “إيه؟”

تنهد وقال: “أبوكي قبل ما يموت كتب وصية تانية… وصية محدش يعرف

عنها حاجة غير أمك.”

اتجمدت مكانها.

“وصية إيه؟”

“كان عنده أرض كبيرة جدًا في باتانجاس… لكن مش الأرض هي المهمة. المهم اللي مدفون جواها.”

إلينا بصتله بعدم فهم.

“مدفون؟”

فتح درج قديم وطلع مفتاح نحاسي صغير عليه رقم محفور.

“أبوكي كان خايف. وقال لو حصله حاجة، المفتاح ده يوصل ليكي لما تبقي جاهزة.”

“جاهزة لإيه؟”

لكن سانتوس ما ردش مباشرة.

قال بهدوء: “في ناس كانت فاكرة إن كل ثروة عيلتك موجودة في الشركة والبنوك… لكن الحقيقة إن والدك خبّى حاجة أكبر بكتير.”

رجعت إلينا البيت وهي عقلها مليان أسئلة.

وفي نص الليل، صحيت على صوت خبط خفيف.

جاستن كان واقف عند باب أوضتها وشه شاحب.

“ماما…”

“في إيه يا حبيبي؟”

“في عربية واقفة قدام البيت من ساعة طويلة.”

قلبها انقبض فورًا.

قامت بصعوبة وبصت من الستارة.

عربية سودا واقفة فعلًا، أنوارها مطفية.

وفجأة…

الباب بتاع العربية اتفتح.

ونزلت منه ست طويلة لابسة معطف أبيض.

إلينا شهقت بهدوء.

“مستحيل…”

جاستن بص لها بخوف:

“إنتِ تعرفيها؟”

لكن إلينا ما ردتش.

لأن الست اللي كانت واقفة تحت عمود النور…

كانت شبه أمها المتوفية بشكل مرعب.

بعد دقايق، الباب خبط تاني.

إلينا فتحت بحذر شديد، وقلبها بيدق بعنف.

الست رفعت عينيها بهدوء وقالت: “مساء الخير يا إلينا.”

الصوت…

الصوت خلا ركبتها تضعف.

“إنتِ مين؟”

الست ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة. “اسمي روزاليا.”

“أنا ماعرفكيش.”

“لكن والدتك كانت تعرفني كويس.”

جاستن استخبى ورا أمه، بينما الست طلعت سلسلة قديمة من رقبتها.

سلسلة عليها نفس الرمز المحفور على المفتاح النحاسي.

إلينا حسّت الدنيا بتميل بيها.

“إنتِ عايزة إيه؟”

روزاليا بصتلها نظرة طويلة وقالت: “جيت أحذرك قبل ما حد غيري يوصلك.”

“يوصلني؟”

“في ناس بدأت تدور على اللي أبوكي خبّاه… وماركتش كان أول واحد.”

إلينا اتجمدت.

“مارك؟ بس هو دلوقتي—”

“مش كل اللي بيختفوا بيكونوا انتهوا.”

الهواء بقى تقيل فجأة.

وجاستن شد هدوم أمه وهمس: “ماما… أنا خايف.”

إلينا حضنته فورًا، لكن عينيها

كانت ثابتة على روزاليا.

“ادخلي.”

الست دخلت ببطء، وبمجرد ما قعدت في الصالة الصغيرة، قالت جملة قلبت كل حاجة من جديد:

“الحادثة ماكنتش أول محاولة.”

تم نسخ الرابط