خيبة الطلاق
سن القلم لمس ورق الطلاق بالظبط الساعة 1003 الصبح، وفي اللحظة دي حسّيت إن عمري القديم كله بيتقفل بصوت واطي محدش غيري سمعه. مكتب الوسيط كان بارد زيادة عن اللزوم، والتكييف شغال بقوة تخلي الجلد يقشعر، لكن أنا ماكنتش حاسة بأي برد. كنت حاسة بس بإرهاق سنين كاملة اتشفطت من روحي دفعة واحدة. ماركوس قعد قدامي وهو بيهز رجله بعصبية وفرحة مستخبية، الفرحة اللي الراجل بيحاول يخبّيها لما يبقى أخيرًا اتخلص من الحاجة اللي شايفها حمل تقيل. أول ما مضى على الورق، حتى ما بصليش. طلع موبايله واتصل ببينيلوب فورًا، وصوته كان مليان حماس عمره ما استخدمه معايا حتى يوم ولادة ولادنا. قالها وهو بيضحك خلصنا يا حبيبتي كله انتهى. جهزي نفسك، النهارده يوم ابننا. كلمة ابننا خبطت جوا قلبي بس ما بانش عليا حاجة. بقيت متعودة إن الوجع الحقيقي بييجي هادي، من غير صريخ.
أخته روكسان كانت واقفة عند الباب حاطة إيديها قدام صدرها، لابسة ابتسامتها المستفزة المعتادة، وقالتلي بنبرة كلها شماتة بصي للجانب المشرق يا جوليان على الأقل مش هتضطري تعيشي وإنتي عارفة إنك فشلتي في أهم حاجة أي ست لازم تعملها. كنت فاهمة قصدها. هما عمرهم ما سامحوني إني جبت بنتين. كأن البنات عار. كأن الأم هي اللي بتختار نوع الجنين
أنا ما اتكلمتش. بس حطيت مفاتيح الشقة قدامه بهدوء. الشقة أصلًا كانت باسمه، والعربية باسمه، وكل حاجة مهمة كنت سايباهاله بإرادتي. لأن اللي كنت رايحة آخده معايا أهم بكتير من شقة وعربية. كنت آخدة كرامتي وولادي.
أول ما خرجت من المبنى، المرسيدس السودا وقفت قدامي. السواق نزل بسرعة وفتح الباب وهو بيقول باحترام آنسة جوليان، الطيارة هتتحرك بعد ساعتين. كل حاجة جاهزة. وقتها بس شفت الصدمة الحقيقية على وش ماركوس. هو كان فاكر إني هخرج من الطلاق مكسورة، هلف على المحاكم عشان نفقة، أو أقعد أترجاه يساعدني. ماكنش يعرف إن جوليان اللي اتجوزها من سبع سنين ماكانتش مجرد مدرسة بسيطة زي ما كان متخيل.
أنا كنت وريثة عيلة أوتيس جروب، واحدة من أكبر شركات الشحن البحري في أوروبا. لكن بعد موت أبويا، قررت أعيش حياة عادية بعيد عن الفلوس والنفوذ. قابلت ماركوس وقتها، وكان شاب طموح بيشتغل مدير مبيعات في شركة صغيرة. حبّيته لأنه عاملني كإنسانة، مش كبنت ملياردير. أو على الأقل ده اللي كنت فاكره. ولما طلب مني أتخلى عن اسمي الحقيقي وعن حياة الرفاهية
في العربية، بنتي الصغيرة إيما كانت نايمة على رجلي، وأختها صوفيا بصالي بخوف وسألتني إحنا خلاص مش هنرجع البيت ده تاني؟ ابتسمتلها بالعافية ومسحت على شعرها. لأ يا حبيبتي إحنا رايحين بيت جديد. ماقلتلهاش إن البيت الجديد كان قصر على البحر في برشلونة. ماقلتلهاش إن جدها كان سايب كل حاجة باسمي من سنين، وإن المحامين كانوا مستنيين إشارة مني بس.
وفي نفس الوقت تقريبًا، كانت عيلة هندرسون داخلة العيادة الخاصة وكأنهم داخلين احتفال تتويج ملكي. أم ماركوس شايلة ورد أزرق، وروكسان مصممة تفتح لايف بعد ما يعرفوا نوع الجنين، وحتى أبوه اللي عمره ما اهتم بأي طفل قبل كده كان بيضحك بفخر. بينيلوب كانت متمددة على السرير بابتسامة نصر، حاطة إيدها على بطنها وكأنها ملكة أخيرًا حققت المهمة اللي أنا فشلت فيها.
الدكتور فانس بدأ السونار بهدوء، لكن ملامحه اتغيرت بسرعة. حرّك الجهاز أكتر من مرة، وبص للشاشة بتركيز شديد. ماركوس ضحك وقال واضح إنه ولد ضخم. لكن الدكتور ما ضحكش. فضل ساكت كام ثانية طويلة، وبعدها قال بنبرة رسمية جدًا أعتقد إن فيه حاجة لازم تعرفوها. الجو كله اتجمد. بينيلوب ابتسامتها اختفت.
الصمت اللي نزل على الأوضة كان تقيل بشكل مخيف.
أم ماركوس أول واحدة اتكلمت. مستحيل. قالتها بعصبية. أكيد الجهاز غلط. الدكتور هز راسه بهدوء. لا يا سيدتي. النتيجة واضحة جدًا. روكسان بصت لبينيلوب وكأنها بتشوفها لأول مرة. وماركوس؟ ماركوس وشه ابيضّ فجأة، كأن حد سحب الدم من جسمه كله.
لكن الكارثة الحقيقية ماكنتش دي.
الدكتور فتح الملف تاني وقال بتردد وفيه حاجة تانية وبعدين بص لماركوس مباشرة. في نتائج التحاليل الجينية اللي طلبتوها الشهر اللي فات فيه عدم تطابق. بينيلوب قامت من مكانها بعصبية إيه اللي بتقوله؟ الدكتور رد بهدوء قاتل الجنين لا يحمل أي صلة وراثية بالسيد ماركوس.
الأوضة انفجرت.
ماركوس صرخ إنتي خنتيني؟! بينيلوب بدأت تعيط hysterically وهي تحاول تنكر، لكن الدكتور كان قدامه التحاليل. أبوه قعد على الكرسي مصدوم، وأمه بدأت تصرخ إن العيلة اتفضحت. أما روكسان، اللي كانت لسه من نص ساعة بتعايرني عشان ماجبتش ولد، فكانت واقفة ساكتة تمامًا لأول مرة في حياتها.
ماركوس خرج من العيادة شبه المجنون، واتصل بيا أكتر من خمسين مرة وأنا في الطيارة. ما رديتش. ولما وصلنا برشلونة، كان أول حاجة عملتها إني فتحت موبايلي وبصيت على الرسائل. كلها