خيبة الطلاق

لمحة نيوز


وفي يوم مطر طويل، بعد حوالي ست شهور من وصولنا، كنت قاعدة في مكتبي في الشركة لما السكرتيرة دخلت وقالتلي بتردد فيه شخص مصر يقابلك بيقول إن الموضوع ضروري جدًا.
ولما رفعت عيني شفت ماركوس.
كان واقف عند الباب بشكل صادم. هدومه بسيطة، دقنه طويلة شوية، وعينه مليانة تعب. للحظة ماعرفتوش. الراجل اللي كان دايمًا مغرور وواثق من نفسه واقف دلوقتي كأنه فقد
الاتجاه.
السكرتيرة سألتي إذا كنت عايزة تطرده، لكني قلتلها تسيبنا.
دخل ببطء وقعد قدامي. فضل ساكت ثواني طويلة، وبعدها قال بصوت مبحوح ماكنتش أعرف.
ضحكت بسخرية خفيفة. تعرف إيه بالظبط؟
بلع ريقه وقال ماكنتش أعرف قيمتك ولا حجم الست اللي كنت متجوزها.
الكلام جه متأخر قوي لدرجة إنه فقد معناه.
طلع من جيبه ظرف قديم وحطه قدامي. فتحته لقيت جواه صور. صور ليا وأنا نايمة جنب البنات على الكنبة، صور لعيد ميلاد صوفيا، صور ليا وأنا بضحك في المطبخ. بصيتله باستغراب.
قال

دي الصور الوحيدة اللي فضلت معايا بعد ما كل حاجة ضاعت.
ماعرفتش أرد.
وبعدين قال الجملة اللي ما توقعتهاش أبدًا
أنا مريض يا جوليان.
قلبي ما اتحركش. يمكن لأني اتعلمت أخيرًا أحمي نفسي.
شرح إنه عنده مشكلة خطيرة في القلب، وإنه محتاج عملية معقدة. قال إنه اكتشف المرض بعد ما حياته كلها وقعت فوق دماغه، وإنه غالبًا كان بيعيش تحت ضغط وغضب طول الوقت لدرجة إن جسمه استسلم.
ولأول مرة في حياتي شفت ماركوس خايف فعلًا.
مش خايف يخسر فلوس، ولا سمعة، ولا ست.
خايف يموت.
قال وهو بيبص للأرض عارف إني ما استحقش أي رحمة منك لكن لو حصلي حاجة، خلي البنات يعرفوا إني كنت بحبهم.
سكت شوية وبعدين أضاف بصوت مكسور حتى لو كنت فاشل جدًا في إني أوضح ده.
بعد ما مشي، فضلت قاعدة مكاني وقت طويل. كنت فاكرة إني هحس بالشماتة. لكنه إحساس غريب جدًا لما تشوف الشخص اللي دمرك بيتحول لحطام قدامك. الكراهية نفسها بتتعب في الآخر.
في الليل، دخلت
أوضة البنات لقيتهم نايمين جنب بعض. ونور الأباجورة الخافت على وشوشهم خلاني أعيط لأول مرة من شهور. عيطت مش عشان ماركوس لكن عشان نفسي القديمة. الست اللي كانت فاكرة إن الحب يعني تتحمل الإهانة وتسكت. الست اللي فقدت نفسها سنة ورا سنة وهي بتحاول تبقى كفاية لراجل عمره ما كان كامل أصلًا.
بعد أيام، خدت قرار غريب حتى بالنسبة ليا. استخدمت نفوذي وعلاقاتي ورتبت لماركوس أفضل دكتور قلب في إسبانيا. ماقولتلوش إن أنا اللي دفعت كل التكاليف. خليت الموضوع يوصل له كأنه مساعدة مجهولة.
لما عرف بعد العملية، بعتلي رسالة قصيرة جدًا
ليه؟
وقعدت أبص للموبايل وقت طويل قبل ما أرد
عشان بناتي يستحقوا أب عايش حتى لو أنا ما استحقتش زوج كويس.
بعد العملية، بدأ يتغير فعلًا. بقى يزور البنات بانتظام، لكن بهدوء جديد. ما بقاش يحاول يشتري حبهم بالهدايا. كان يقعد يسمعهم. يسمع فعلًا. وإيما اللي كانت بتستخبى وراه الكنبة أول ما تشوفه،
بدأت تدريجيًا تجري عليه وفي يوم، وأنا واقفة بعيد بتفرج عليهم على البحر، سمعت صوفيا تسأله
بابا ليه كنت دايمًا زعلان زمان؟
السؤال كان بسيط جدًا لكن ماركوس عيط.
عيط قدام بناته لأول مرة.
ونزل لمستواها وقال بصوت متقطع
عشان بابا كان غبي يا حبيبتي وكان فاكر إن القوة معناها يبقى قاسي.
اللحظة دي حررت حاجة جوايا أنا كمان.
لأني فهمت إن بعض الناس ما بيتغيروش إلا بعد ما يخسروا كل حاجة. وبعد ما يبقوا لوحدهم مع أسوأ نسخة من نفسهم.
السنين عدت بعدها بشكل أهدى. الشركة كبرت أكتر، والبنات كبروا وسط أمان لأول مرة في حياتهم. وصوفيا في عيد ميلادها الاتناشر وقفت قدام الناس وقالت جملة عمري ما هنساها
ماما علمتني إن الست القوية مش اللي ما بتقعش الست القوية هي اللي بتقوم بعد ما كل الناس يكسروها.
وقتها بصيت حواليّا. على البحر، وعلى البيت، وعلى البنات، وعلى نفسي الجديدة.
واكتشفت إن أغلى حاجة ممكن الإنسان يكسبها بعد
الخيانة مش الانتقام.
إنه يرجع لنفسه تاني.

تم نسخ الرابط