خيبة الطلاق

لمحة نيوز

لازم نتكلم. فيه سوء فهم. العيال محتاجين أبوهم. لكن الرسالة الأخيرة كانت اللي خلتني أضحك لأول مرة من شهور ليه ماقلتيليش الحقيقة عنك؟
عرف.
أكيد عرف بعد ما رجع البيت القديم ولقي المحامين مستنيينه. لأن الشقة اللي كان فاكرها بتاعته كانت أصلًا إيجار باسم شركتي. والعربية اللي أخدها كانت مؤجرة. وحتى الشركة الصغيرة اللي اشتغل فيها سنين كانت اتشرِت من مجموعة استثمارية تتبعني من غير ما يعرف. كل حاجة كان فاكر إنه كسبها مني اختفت في أسبوع واحد.
بس أنا ما انتقمتش. الحقيقة إن الحياة هي اللي انتقمت.
بدأت حياتي الجديدة بهدوء. البنات دخلوا مدرسة خاصة على البحر، وإيما بقت تنام من غير ما تصحى مفزوعة على صوت خناق. وصوفيا بطلت تسألني إذا كان بابا زعلان عشانها بنت. دي كانت أكتر جملة كسرتني طول جوازنا. طفلة عندها ست سنين مقتنعة إن جنسها مشكلة.
بعد شهور، ماركوس حاول يشوف البنات. وافقت بشروط واضحة. ولما شفته أول مرة بعد الطلاق، كان مختلف تمامًا. وشه مجهد، شعره فيه شيب أكتر، ونظرته مكسورة. قعد قدام البنات يحاول يضحك ويلعب معاهم، لكنهم كانوا مترددين. الأطفال بيحسوا بكل حاجة حتى لو
ما بيتكلموش.
بعد ما البنات دخلوا يلعبوا، بصلي وقال بصوت واطي أنا كنت غبي. ما رديتش. قال أنا ضيعت أحسن حاجة حصلتلي. برضه ما رديتش. لأن الاعتذار المتأخر ما بيرجعش سنين الإهانة والخيانة والخوف.
بعدها بسنة تقريبًا، سمعت إن بينيلوب سابته واختفت مع راجل تاني. والطفلة اللي خلفتها كانت شبه أبوها الحقيقي لدرجة ماخليتش حد يقدر ينكر. أم ماركوس دخلت مستشفى بعد انهيار عصبي، وروكسان اتطلقت هي كمان بعد ما جوزها اكتشف إنها كانت بتسرق فلوسه. العيلة اللي كانت شايفة نفسها كاملة ومثالية اتفككت واحدة واحدة.
أما أنا، ففي ليلة هادية بعد سنتين، كنت قاعدة في البلكونة في بيتي المطل على البحر، والبنات نايمين جوا، والهواء دافي لأول مرة من سنين. وقتها بس استوعبت إن الطلاق ماكانش نهاية حياتي.
كان أول يوم فيها بجد.
وفهمت أخيرًا إن بعض الناس ربنا بيخرجهم من حياتك بالطريقة المؤلمة دي مش عشان يعاقبك، لكن عشان ينقذك قبل ما تضيع نفسك بالكامل وإنت بتحاول ترضي ناس عمرهم ما شافوا قيمتك أصلًا.
بعد الليلة دي بأسابيع قليلة، بدأت أحس إن الهدوء نفسه حاجة غريبة عليا. كنت متعودة أصحى على صوت توتر،
على إحساس دائم إن لازم أكون حذرة، لازم أوزن كل كلمة، كل حركة، كل نفس. لكن في برشلونة، أول حاجة كانت بتصحيني كل صباح هي صوت الموج. الشباك الكبير اللي في أوضتي كان مفتوح على البحر مباشرة، والهواء المالح كان بيدخل بهدوء يلمس الستاير البيضا الطويلة. أوقات كتير كنت بقف قدام المراية وأسأل نفسي إذا كانت الست اللي شايفاها دي هي فعلًا جوليان القديمة ولا واحدة جديدة اتخلقت بعد الخراب.
البنات بدأوا يتغيروا بسرعة. إيما بقت تضحك من قلبها تاني، الضحكة اللي كنت مفتقداها من سنين. وصوفيا، اللي كانت دايمًا هادية زيادة عن اللزوم، بدأت ترسم. كل يوم ترسم البحر، والبيت الجديد، وشمس كبيرة قوي في نص الورقة. وفي مرة وأنا بعدّل لها الفستان قبل المدرسة، قالتلي بهدوء ماما هو الطبيعي إن البيت يبقى هادي كده؟ السؤال كسر قلبي أكتر من أي خيانة. طفلة صغيرة كانت فاكرة إن الصراخ والإهانة والخوف جزء طبيعي من أي بيت.
بدأت أشتغل تاني بشكل رسمي في الشركة. مجلس الإدارة كان مستنيني أرجع من سنين. أول اجتماع حضرته، كلهم وقفوا أول ما دخلت القاعة. رجال أعمال كبار، ناس كانت الجرائد بتكتب عنهم، لكنهم
كانوا بيبصولي باحترام حقيقي. وقتها افتكرت كل مرة ماركوس كان بيقولي فيها إني ما بفهمش في البزنس، وإن الست مكانها الطبيعي مع العيال مش في الإدارة. irony الحياة كانت قاسية جدًا.
في نفس الفترة، الأخبار عن عيلة هندرسون كانت بتوصلني حتى من غير ما أسأل. الفضايح خرجت للعلن بسرعة. بينيلوب رفعت قضية نفقة على الأب الحقيقي للبنت، والراجل طلع متجوز أصلًا. ماركوس خسر شغله بعد ما اتخانق مع المدير قدام الموظفين، وروكسان اتقبض عليها في قضية تزوير حسابات خاصة بالشركة اللي كانت شغالة فيها. الناس اللي عاشوا سنين يحكموا عليا ويعاملوني باستعلاء، حياتهم كانت بتنهار قطعة قطعة.
لكن رغم كل ده كان فيه جزء جوايا لسه موجوع.
مش عشان ماركوس. لا. أنا تخطيت الراجل ده من يوم ما شفت فرحته وهو بيطلقني. الوجع الحقيقي كان إني فضلت سنين كاملة بحاول أثبت قيمتي لناس عمرهم ما كانوا ناويين يشوفوها أصلًا. كنت بطبخ لأمه وهي تنتقد أكلي. كنت أشتغل وأصرف وأساعده وهو يقول للناس إنه هو اللي شايل البيت. كنت أسمع إهاناتهم لبناتي وأسكت عشان أحافظ على العيلة. وفي الآخر اكتشفت إن بعض العائلات ما تستحقش أصلًا
إنك تضحي عشانها.

تم نسخ الرابط