جوزي في الكويت بس عايش ورا المنور
عمري ما كنت أتخيل إن الجملة اللي قالها ابني وهو نايم نص نومة هتقلب حياتي كلها جحيم. الليلة دي كنت بقفل لمشمش زراير البيجامة الشتوي وهو مغمض عينه وبيتنفس بهدوء، وفجأة فتح عينه وبصلي بخوف وهمس
ماما قولي لبابا ميتداراش تاني ورا الدولاب أنا بخاف لما بيعيط بالليل.
ضحكت وقتها بالعافية، افتكرت إنه بيحلم. جوزي سيد كان مسافر الكويت بقاله أربع شهور، وكل يوم يكلمني فيديو كول من هناك. كان دايمًا يوريني نفس الشباك الألوميتال، ونفس اللمبة البيضا، ويحكيلي عن الشغل والمقاولات والحر والزحمة. كنت أصدقه لأن مفيش سبب يخليني أشك فيه. الفلوس كانت بتنزل كل أسبوع، وكلامه كان طبيعي، وحتى أمه كانت كل يوم تدعي له وترفع إيديها للسماء وتقول
ربنا يوسع رزقه ويبعد عنه ولاد الحرام.
لكن مشمش رجع قالها تاني بعدها بيومين وهو بيلعب بعربياته
بابا مش في الكويت يا ماما بابا عايش هنا.
سألته وأنا متوترة
هنا فين؟
قال وهو بيبص لفوق ناحية السقف
ورا الدولاب الكبير جوه المنور.
الكلمة دخلت جوايا زي السكينة. بيتنا قديم في روض الفرج، وفيه منور ضيق بين شقتنا والبيت اللي جنبنا، وورا الدولاب البغدادي القديم فعلًا في حيطة خشب عمرنا ما اهتمينا بيها. افتكرت كلام العيال وخلاص، بس
تاني يوم وأنا بنضف لقيت ورقة بسكوت مرمية تحت الكنبة. نفس النوع اللي سيد كان بيحبه وبيجيبه لمشمش دايمًا. المشكلة إن البسكوت ده أنا مخبياه فوق النملية ومحدش يعرف مكانه. سألت ابني مين جابه، قال ببساطة
بابا كان جعان وقالي متقوليش.
من اللحظة دي الشك دخل قلبي ورفض يطلع. بدأت أراقب حماتي، لقيتها ساعات تختفي فوق السطوح وترجع متوترة، وساعات تدخل المطبخ بالليل تعمل أكل زيادة وتقول إنها جعانة. وفي يوم عملت نفسي خارجة عند أمي، لكن رجعت بعد نص ساعة واستخبيت فوق السلم. فضلت مستنية، لحد ما شفت حماتي خارجة من الشقة واخدة مشمش للدكان. بعدها بدقايق حصل اللي خلاني أحس إن رجلي مش شيلاني.
الدولاب البغدادي اتحرك.
مش الباب الدولاب نفسه اتحرك سنة صغيرة، وراها ضلفة خشب مستخبية اتفتحت من جوه. وطلع سيد.
كان أضعف بكتير، دقنه طويلة، هدومه مبهدلة، وعينه كلها خوف. نزل حافي يبص حواليه كأنه حرامي، وبعده مباشرة خرجت بنت صغيرة في العشرينات، قمحاوية وشعرها مربوط، شايلة ملف أحمر وأوراق كتير. دخلوا الصالة بسرعة،
دخلوا أوضة الصالون، والبنت فتحت الملف وقالت بصوت واطي
لازم تخلص الورق بسرعة قبل ما صابرين تشك.
وسيد رد وهو بيمسح عرقه
هي بدأت تشك فعلًا والواد بيتكلم كتير.
حسيت الدنيا بتلف بيا. ابني كان بيقول الحقيقة طول الوقت. جوزي عمره ما سافر. كان مستخبي في بيتي زي الهاربين.
لكن ليه؟
رجعت أوضتي قبل ما يشوفوني، وفضلت طول الليل مستنية الفيديو كول بتاعه. الساعة عشرة بالليل كلمني فعلًا من الكويت. نفس الوش، نفس الصوت، نفس الخلفية. ابتسم وقال
عاملة إيه يا صابرين؟
كنت ببص للشاشة وقلبي هيقف. اللي بيكلمني شبه سيد بالظبط لكن عينيه مختلفة. فيها قسوة غريبة. حاولت أثبت صوتي وسألته
إنت تعبان؟
ضحك وقال
الشغل مهدود حيله.
قعدت أبصله وأنا حاسة إني بتجنن. لو سيد تحت بيتي مين ده؟
بعدها بيوم ركبت كاميرا صغيرة في الصالة. وفي نص الليل صحيت على إشعار حركة. فتحت البث وشفت الضلفة السرية بتتفتح. سيد والبنت خرجوا، ودخلوا يدوروا في أدراج المكتب. طلعوا عقد البيت، شهادتي، وباسبوري. والبنت قالت
أول ما تمضي على البيع وتسحب الفلوس هنسافر قبل ما حد يعرف
سيد كان منهار وقال
بس لو عرفوا إنه مات هنروح فيها كلنا.
اتجمدت. مات؟ مين اللي مات؟
مقدرتش أستحمل أكتر. خرجت من أوضتي وفتحت النور مرة واحدة. البنت صرخت، وسيد بصلي كأنه شاف شبح. فضلت أزعق فيه وأنا بعيط
مين اللي بيكلمني كل يوم؟! إنت مين؟! وإيه اللي بيحصل؟!
سيد وقع على ركبته وفضل يعيط. ومشمش صحي على صوتنا وطلع يجري حضني وهو بيقول
ماما متزعقيش لبابا هو كان بيعيط كل يوم.
وقتها سيد طلع صورة من جيبه ومدهالي بإيد بتترعش. أول ما بصيت فيها حسيت نفسي هقع. الصورة فيها سيد مربوط في كرسي، وشه كله دم، وواقف وراه راجل شبهه بالظبط. نفس الملامح، نفس الصوت، نفس كل حاجة إلا النظرة.
عرفت بعدها الحقيقة اللي كانت أوسخ من أي كابوس.
سيد كان ليه أخ توأم.
أمه خبت وجوده طول عمرها. اسمه سليم. زمان وهو صغير دخل إصلاحية بعد جريمة قتل، والعيلة كلها أنكرت وجوده عشان الفضايح. وبعد سنين اختفى تمامًا. سيد افتكره مات. لكن من أربع شهور سليم ظهر فجأة، وهدد أمه إنه يفضح كل حاجة لو مساعدتهوش. كان مطلوب في قضايا نصب وتزوير، والشرطة بتدور عليه في أكتر من محافظة. ولأنه شبه سيد نسخة طبق الأصل، أجبره يمثل إنه سافر الكويت، وخلاه مستخبي جوه البيت، بينما هو يستخدم
سليم كان بيطلع