سر بنتي وصاحبتها

لمحة نيوز

بعد اليوم اللي رحنا فيه سوا للحي القديم، افتكرت إني خلاص فهمت كل حاجة، وإن الموضوع انتهى عند حدود الذكريات والحنين، لكن اللي ماكنتش واخدة بالي منه إن بنتي كانت لسه جواها أسئلة أكتر من الإجابات، وإن الرجوع للمكان القديم فتح باب مش بس للذكريات لكن كمان لإحساس غريب بالبحث عن حاجة ناقصة كانت هي نفسها مش عارفة تسميها، الأيام اللي بعد كده بدأت ألاحظ تغييرات صغيرة، مش تغييرات تخوف، لكن حاجات محتاجة انتباه، كانت تقعد ساعات أطول في هدوء غير معتاد، تمسك ورق وتكتب وبعدين تمسحه أو ترميه، تبص من الشباك كأنها بتدور على فكرة مش على منظر، وفي مرة سألتها بهدوء لو في حاجة تانية مضايقاها، قالتلي لأ بس باين في عينيها إنها مش مقتنعة بإجابتها، وفي يوم جالي تليفون من المدرسة بيقولوا إنها طلبت تفضل لوحدها في المكتبة بعد انتهاء اليوم

الدراسي أكتر من مرة، ولما سألتها قالتلي إنها كانت بتحاول ترتب أفكارها لأنها حاسة إن في جزء من حياتها القديمة مش واضح في دماغها، وإنها مش فاكرة تفاصيل معينة عن بيتنا القديم وعن الفترة اللي عشناها هناك قبل ما نسيبه، وده خلاها تحس إنها لازم تفهم أكتر، هنا بدأت أقلق تاني بس بطريقة مختلفة، مش خوف من خطر خارجي، لكن خوف من إنها تكون بتضغط على نفسها زيادة، قررت أتكلم معاها بهدوء أكتر، قولتلها إن الذكريات مش دايمًا لازم تكون واضحة، وإن العقل ساعات بيحاول يملى الفراغات بطريقته، لكنها قالتلي إنها حاسة إن في يوم معين من طفولتها مش فاكراه خالص، يوم مهم كان قبل ما نسيب البيت القديم بيوم أو يومين، وإنها كل ما تحاول تفتكره تحس بصداع وتوهان، طلبت مني أساعدها تفهم، ساعتها حسيت إن لازم نتعامل مع الموضوع بشكل أعمق، مش مجرد حكي
في البيت، فقعدت معاها وقلبنا ألبوم صور قديم، وبدأنا نرجع ورا سنة سنة، لحد ما وصلنا لفترة انتقالنا من البيت القديم، وكل صورة كانت بتشوفها كانت بتديها إحساس مختلف، لكن في صورة معينة وقفت عندها جامد وسكتت، كانت صورة ليها وهي صغيرة واقفة قدام باب البيت القديم، بصتلي وقالتلي إنها فاكرة اللحظة دي بس مش فاكرة اللي بعدها مباشرة، كأن في جزء من اليوم ده اتشال من دماغها، هنا قررت إني أروح معاها لدكتور نفسي للأطفال عشان نطمن، مش عشان في حاجة خطيرة، لكن عشان ما نسيبش التوهان يكبر، وفي أول جلسة الدكتور شرح لنا إن أحيانًا الأطفال بيكون عندهم نوع من “الذكريات الناقصة” نتيجة ضغط أو تغيير كبير في حياتهم، وإن العقل بيحاول يحمي نفسه فيحذف تفاصيل مش قادرة تستوعبها وقتها، وبنتي كانت بتسمع بهدوء، وده في حد ذاته كان مطمّن، مع الوقت
بدأت الجلسات تساعدها إنها تكتب اللي فاكرها بدون ضغط، وتقبل إن مش لازم كل حاجة تبقى واضحة، وفي مرة رجعت البيت وقالتلي إنها لأول مرة حاسة إن قلبها أخف، وإنها مش محتاجة تدور على إجابة كاملة عشان تبقى مرتاحة، ومع مرور الأسابيع بدأت ترجع لحياتها الطبيعية واحدة واحدة، رجعت تضحك أكتر، وتخرج مع صحابها بشكل طبيعي، لكن الفرق إن مفيش كذب تاني، وكل مرة كانت بتحس بحاجة غريبة أو سؤال جواها كانت بتجي تقولهالي من غير خوف، وأنا كأم بدأت أفهم إن اللي حصل مكنش خطر ولا مشكلة كبيرة زي ما خيالي صورلي في البداية، لكنه كان رحلة بنت صغيرة بتحاول تفهم نفسها وسط تغييرات الحياة، وفي النهاية اكتشفت إن أهم حاجة مش إنك تعرف كل الحقيقة مرة واحدة، لكن إنك تكون موجود عشان اللي بتحبه وهو بيحاول يفهم نفسه، حتى لو الطريق كان متلخبط شوية في الأول.

تم نسخ الرابط