أمي طول عمرها ست ناشفة من النوع اللي يقوم يكنس قدام البيت وهو سخن، ويسقي الزرع قبل حتى ما يفطر، ويقولك أنا كويسة وهو حرفيًا بيتقطع من جواه. عندها خمسة وسبعين سنة، وعايشة لوحدها في بيت صغير هادي في ضواحي شيكاغو، بيت ريحته دايمًا فاصوليا مطبوخة وورد قديم وصور القديسين اللي كانت معلّقاها في كل حتة. بعد ما أبويا مات، أمي بقت أهدى بس عمرها ما بقت ضعيفة. كانت دايمًا تقول إن الست طول ما بتقف على رجليها يبقى لسه بخير. لكن في الأسابيع الأخيرة، بقيت أشوف فيها حاجة غريبة. وشها بقى شاحب، أكلها قل جدًا، وكل شوية تحط إيدها على بطنها كأن حد بيغرز سكينة فيها وتسكت. سألتها أكتر من مرة، وكانت تضحك الضحكة اللي من غير روح وتقول مجرد تعب سن. حاولت أصدقها لحد اليوم اللي وقعت منها كباية الشاي. نزلت تجيبها من الأرض، وفجأة سمعت صوت أنين مكتوم طالع منها، صوت خلاني أحس إن قلبي وقع. جريت عليها ومسكتها وقلت إيه ده؟ من إمتى وإنتِ بتتوجعي كده؟ حاولت تبعد عني بعينيها وقالت ما تكبريش الموضوع. لكن لما ضغطت عليها اعترفت إن الوجع بقاله شهور، مش أيام. شهور كاملة وهي ساكتة. الليلة دي حكيت لجوزي آرثر وإحنا قاعدين
على السفرة. كان كالعادة ماسك موبايله ومش مركز معايا أصلًا. قلتله بكرة هاخد ماما للدكتور. حتى ما بصليش، قال ببرود عشان إيه؟ قلت بطنها بتوجعها وبتخس ومش بتاكل. ضحك ضحكة مستفزة وقال أمك طول عمرها بتحب تعمل دراما. حسيت الدم غلي في عروقي وقلتله ما يتكلمش عنها بالشكل ده، لكنه حط الشوكة على الطبق بهدوء مخيف وقال هي عندها خمسة وسبعين سنة يا لوسي طبيعي كل حاجة فيها توجعها. اللي مش طبيعي إننا نرمي فلوس على دكاترة عشان ست كبيرة عايزة اهتمام. ساعتها حسيت بحاجة عمري ما حسيتها ناحيته قبل كده. برودة. مش بخل سيطرة. الراجل اللي يصرف آلاف على ساعات وعشا مع صحابه وسفر فجأة بقى شايف الكشف على أمي خسارة؟ قلتله دي أمي. رد عليا وهو باصصلي بنظرة جامدة وأنا جوزك مش هيتصرف مليم من غير ما أعرف. الليلة دي ما نمتش. فضلت أبص للسقف وأفكر في نظراته. ما كانش متضايق من الفلوس كان متوتر من فكرة إنها تروح المستشفى أصلًا. الصبح استنيته ينزل شغله، وخبيت الكريدت كارد والمفاتيح في كيس خضار عشان لو رجع فجأة ما يشكش، وروحت لأمي. لقيتها قاعدة على الكرسي الهزاز وعينيها غرقانة تعب. قلتلها يلا يا ماما. سألتني على فين؟ قلت
المستشفى ومش هسمع كلمة لأ. حتى الاعتراض ما كانش عندها طاقة تعمله. طول الطريق كانت ساكتة، حاطة إيديها الاتنين على بطنها وبتتمتم بصلاة بصوت خافت. خدتُها لعيادة خاصة صغيرة شكلها زي بيت قديم متحوّل لمركز طبي. أول ما الممرضة قاست الضغط، وشها اتغير. قاست تاني. وبعدها راحت جابت الدكتور بسرعة. هنا الخوف بدأ يدخل قلبي بجد. الدكتور كان شاب صغير، لكن أول ما كشف على بطن أمي ملامحه اتشدت. سألها من إمتى الألم ده؟ قلت بسرعة من أسابيع. لكن أمي بصت في الأرض وقالت بصوت مكسور من شهور. بصيتلها مصدومة وهي هربت بعينيها مني. عملوا تحاليل، وبعدها أشعة مقطعية. وأنا قاعدة بره مستنية، موبايلي ما بطلش يرن. آرثر. مرة ورا مرة. وبعدها رسايل إنتِ فين؟ ردي حالًا. ما تعمليش حاجة غبية. قلبي دق بعنف، لكن لأول مرة من سنين مطفّيت الموبايل ومخفتش من غضبه. خوفي على أمي كان أكبر. بعد حوالي ساعة، الدكتور خرج وهو ماسك ملف وصور الأشعة ووشه متجهم بطريقة خوفتني أكتر من أي كلام. قال مدام لوسي تعالي معايا. دخلت الأوضة لقيت أمي قاعدة على السرير صغيرة أوي، كأن الوجع شفط عمرها كله مرة واحدة. الدكتور قفل الباب بنفسه، وساعتها
حسيت إن رجلي مش شايلاني. قلتله أرجوك قول الحقيقة. علّق الأشعة على الشاشة، وأنا أصلًا ما كنتش فاهمة أي حاجة. مجرد عضم وضلال وبقع رمادي. لكنه أشار على حتة في بطنها وقال إحنا لقينا حاجة. قلت بخضة ورم؟ لكنه سكت شوية وقال لا مش شكله ورم. حسيت نفسي باختنق. قلت أمال إيه؟ كبّر الصورة، وفجأة شفت جسم صغير غامق، شكله واضح جدًا حاجة مش المفروض تكون جوه جسم بني آدم. شبه كبسولة أو قطعة معدنية صغيرة. الدكتور قال بهدوء مرعب الحاجة دي ما دخلتش جسمها لوحدها. حسيت الدنيا بتلف بيا. قلت يعني حد حطها جواها؟! أمي بدأت تعيط بصمت. ودي كانت الصدمة الأكبر إنها ما اتفاجئتش. لا صرخت ولا سألت. بس نزلت راسها كأن السر اللي شايلاه سنين أخيرًا طلع للنور. قربت منها وأنا مرعوبة وقلت إنتِ كنتِ عارفة؟ مسكت إيدي بقوة غريبة وقالت سامحيني يا بنتي. وفي اللحظة دي الباب اتفتح بعنف. آرثر دخل وهو بينهج ووشه أحمر كأنه جري لحد هنا. صرخ إيه اللي بيحصل؟! بصيتله وأنا متجمدة. الدكتور وقف قدام الشاشة، وآرثر أول ما شاف الأشعة وشه اتسحب واتحول للون الرماد. مش شكل واحد متفاجئ شكل واحد عرف الحاجة اللي قدامه. كأنه شايف كابوس رجعله
من