أمي طول عمرها ست ناشفة

لمحة نيوز

الماضي. أمي رفعت وشها وبصتله بثبات مرعب وقالت قلتلك قبل كده جسمي في يوم هيتكلم. الأوضة سكتت تمامًا. حتى صوت الأجهزة برا اختفى من وداني. آرثر حاول يتكلم لكنه ما عرفش. الدكتور بصله وقال حضرتك تعرف إيه الجسم ده؟ آرثر اتلعثم وقال أكيد خطأ الأشعة غلط. لكن أمي هزت راسها وقالت بصوت ضعيف مش غلط ده الدليل. ساعتها بصيت بينها وبينه وأنا حاسة إن حياتي كلها كانت كدبة كبيرة. وبعد ثواني أمي بدأت تحكي. من أكتر من عشرين سنة، قبل ما أتجوز آرثر بسنين، كان بيشتغل مع شركة أدوية كبيرة. الشركة كانت داخلة في شغل قذر، تجارب غير قانونية وتهريب بيانات وأدوية ممنوعة. أمي وقتها كانت شغالة في قسم التنضيف في المبنى، وفي ليلة سمعت بالصدفة اجتماع بينهم وهم بيتكلموا عن شحنة وأسماء ناس ومبالغ ضخمة. آرثر شافها وهي خارجة وافتكر إنها سمعت كل حاجة. بعدها بأيام، خطفها راجلين تابعين للشركة وحقنوها بمادة مخدرة وزرعوا جوا جسمها الكبسولة دي، واللي كان جواها فلاشة صغيرة جدًا عليها ملفات وأسماء وحسابات دليل يدمر ناس كتير. كانوا ناويين يرجعوا ياخدوها بعد فترة، لكن الشركة نفسها اتقفلت بسبب قضايا تانية، والناس اختفوا، وآرثر اختفى من حياتها وقتها. بعد سنين ظهر
تاني في حياتي وكأنه صدفة، واتجوزني. أمي حاولت تمنعني لكن من غير ما تقول الحقيقة، لأنه هددها إنه لو اتكلمت هيأذيني. ومن يومها وهو بيراقبها طول الوقت ومستني اللحظة اللي يلاقي فيها الكبسولة قبل أي حد. لما تعبت، خاف تتكشف الحقيقة. أنا كنت واقفة مش قادرة أتنفس. الراجل اللي عشت معاه سنين، اللي كنت فاكرة إنه بيحبني، كان متجوزني عشان يفضل قريب من أمي ومن السر اللي جواها. آرثر فجأة حاول يهرب، لكن الأمن مسكه بعد ما الدكتور بلغ الشرطة. وبعد ساعات طويلة من التحقيق والجراحة، خرجوا الكبسولة فعلًا. وكانت جوّاها فلاشة صغيرة عليها كل حاجة. القضية قلبت الدنيا، واتقبض على ناس كتير، وآرثر اتحاكم واتسجن. لكن كل ده ما كانش أهم عندي من اللحظة اللي رجعت فيها البيت مع أمي بعد العملية. كانت تعبانة جدًا، لكن لأول مرة من سنين شكلها مرتاح. قعدت في الجنينة وسط الورد، وبصتلي بعين مليانة دموع وقالت أنا آسفة إني خبيت عنك. وقلت إنتِ كنتِ بتحميني. ابتسمت وقالت لا يا بنتي كنت مستنية أبقى قوية كفاية أواجه. وبعد شهور، رغم تعبها، بدأت صحتها تتحسن شوية. والألم اللي كانت فاكراه نهاية عمرها طلع رسالة أخيرة من جسمها رسالة فضحت الحقيقة اللي كانت مدفونة
سنين طويلة جواها.
بعد القبض على آرثر بأسبوعين، حياتي كلها كانت متشقلبة بطريقة عمري ما تخيلتها. البيت اللي كنت فاكرة إنه أمان بقى يخنقني، وكل ركن فيه بيفكرني إني كنت عايشة مع راجل غريب عني تمامًا. كل مرة أبص فيها على الكنبة اللي كان بيقعد عليها أو أسمع صوت باب الأوضة وهو بيخبط بسبب الهوا، جسمي كله يتشد. كنت بصحى من النوم مفزوعة وأنا فاكرة إني سامعة صوته بينادي عليا. لكن الحقيقة الأصعب ما كانتش خوفه كانت إحساسي بالذنب ناحية أمي. سنين وأنا فاكرة إنها ست عنيدة ومبالغة، بينما هي كانت عايشة بكابوس حقيقي وساكتة عشاني. بعد العملية، الدكاترة قالوا إن وجود الكبسولة جوه جسمها كل السنين دي سبب التهابات خطيرة ومضاعفات في المعدة والأمعاء، وإنها كانت قريبة جدًا من انفجار داخلي كان ممكن يقتلها في أي لحظة. لما سمعت الكلام ده حسيت إني هقع. تخيلت إنها كانت كل يوم بتصحى، تطبخ وتضحك وتسقّي الورد وهي حرفيًا شايلة قنبلة جوا جسمها. ومع ذلك عمرها ما قالتلي الحقيقة. في أول أسبوع رجعت فيه تعيش معايا، كانت تتحرك بصعوبة. كنت أساعدها تدخل الحمام، أعملها الشوربة، وأقعد جنبها بالليل لما الألم يصحيها. وفي مرة وأنا بغطيها، مسكت إيدي وقالت بصوت
هادي أنا عارفة إنك زعلانة مني. حاولت أنكر لكنها هزت راسها وقالت يا بنتي الأم أوقات بتختار الوجع لنفسها عشان تمنعه عن ولادها. وقتها عيطت لأول مرة من ساعة كل اللي حصل. وأنا بحس إني رجعت طفلة صغيرة تاني. لكن الكابوس ما خلصش عند القبض على آرثر. بعد أيام، بدأ الصحفيين ييجوا حوالين البيت. عربيات غريبة تركن قدامنا. ناس تسأل الجيران. أخبار في التلفزيون عن شبكة فساد قديمة اتفتحت من جديد بسبب سيدة مسنة احتفظت بدليل داخل جسدها لأكثر من عشرين سنة. أمي كانت تكره الشهرة، وكل ما تشوف الكاميرات من الشباك كانت ترتعش. وفي ليلة صحيت على صوتها وهي بتصرخ من النوم. جريت عليها لقيتها بتتنفس بسرعة وبتقول هما رجعوا هما مش هيسيبونا. قعدت أهديها وأقولها إن الشرطة بتحمينا، لكنها بصتلي بنظرة موجوعة وقالت الناس اللي زي دول عمرهم ما بينسوا. وفعلاً بعدها بيومين حصل أول شيء خلاني أحس إن الخطر لسه موجود. كنت راجعة من الصيدلية، ولقيت باب البيت موارب. قلبي وقف. أنا متأكدة إني قفلته قبل ما أمشي. دخلت ببطء وأنا ماسكة الموبايل مستعدة أكلم الشرطة، لكن البيت كان هادي بشكل مخيف. مفيش حاجة مسروقة بس كل الصور القديمة اللي في الصالة كانت مرمية على الأرض.
صورة
تم نسخ الرابط