أمي طول عمرها ست ناشفة

لمحة نيوز

فرحي من آرثر متقطعة نصين. وصورة أمي وهي صغيرة عليها علامة بالقلم الأحمر. وعلى الترابيزة ورقة صغيرة مكتوب عليها كان لازم تفضل ساكتة. إيدي تلجت. أمي أول ما شافت الورقة وشها اصفر وقالت بصوت مخنوق قلتلك مش هيخلص. الشرطة فتحت تحقيق، لكن ما لقوش بصمات واضحة. من يومها بقيت أقفل الشبابيك بدري، وأصحى على أي صوت، وأخبي سكينة تحت المخدة زي المجانين. أمي كانت تحاول تبان قوية، لكنها بقت تخاف تقعد لوحدها حتى دقيقة. وفي وسط الرعب ده، بدأ يطلع جانب من أمي أنا نفسي ما كنتش أعرفه. في ليلة مطر، كانت قاعدة تبص من الشباك، وفجأة قالتلي أبوك ما ماتش موتة طبيعية. حسيت جسمي كله اتجمد. قعدت جنبها ببطء وقلت إيه؟ أخدت نفس طويل وقالت إن أبويا قبل وفاته بأسابيع عرف جزء من الحقيقة. كان شاكك في آرثر من البداية، خصوصًا بعد ما لاحظ إنه بيتردد حوالين أمي بشكل غريب حتى قبل ما يعرفني كويس.
ولما حاول يدور ورا ماضيه، حصل حادث العربية اللي قالوا وقتها إنه بسبب المطر. لكن أمي طول عمرها مقتنعة إنه ما كانش حادث عادي. ساعتها حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت. كل ذكرياتي عن حياتي القديمة بدأت تتكسر قدامي. جوازي، بيتي، حتى موت أبويا كله اتلوث بالخوف والكذب. وبعد أسبوع، حصلت الصدمة الأكبر. كنت في المطبخ بعمل شاي، وسمعت أمي بتتكلم في الصالة. افتكرتها بتتكلم في التلفزيون، لكن صوتها كان منخفض بطريقة غريبة. خرجت أبص لقيتها واقفة قدام الباب المفتوح سنة صغيرة، وبتقول أنا مش هديكوا حاجة. جريت بسرعة وقفلت الباب. سألتها بخضة مين؟! لكنها كانت مرعوبة ومش قادرة تتكلم. بصيت من العين السحرية وما شفتش حد، لكن على الأرض كان فيه صندوق صغير. الشرطة لما فتحت الصندوق لقوا جواه وردة صناعية سوداء وموبايل قديم. الموبايل كان فيه تسجيل صوتي بصوت راجل بيقول الفلاشة مش كل حاجة إحنا
عارفين إن الست العجوز خبّت النسخة التانية. أمي أول ما سمعت التسجيل بدأت ترجف بطريقة خوفتني عليها. قعدت جنبها وصرخت نسخة إيه؟! إنتِ مخبية إيه تاني؟! سكتت طويل، وبعدين قالت الجملة اللي قلبت حياتي مرة تانية في حاجة ما قلتهاش للدكتور. حسيت إني هتجنن. قالت إن الكبسولة اللي كانت جوا جسمها ما كانتش الدليل الوحيد. قبل سنين طويلة، لما عرفت إن الناس دي ممكن تقتلها، خبت دفتر صغير بخط إيدها فيه كل الأسماء والمواعيد والتفاصيل اللي سمعتها زمان. سألتها بعصبية وفين الدفتر ده؟! بصتلي بعين مليانة خوف وقالت مستخبي في مكان محدش يعرفه حتى أنا بقيت خايفة أفتكره. الليلة دي ما حدش نام. قعدنا نفتكر كل الأماكن القديمة، كل الصناديق، كل الخزن اللي عندها. وبعد ساعات من التفكير، فجأة أمي حطت إيدها على بقها وقالت الكنيسة. تاني يوم الصبح روحنا الكنيسة القديمة اللي كانت بتروحها من عشرين
سنة. المكان كان شبه مهجور، والخشب بيصرّ من الرطوبة. القس العجوز هناك أول ما شاف أمي دمعت عينه وقال افتكرت إنك مش هترجعي هنا تاني. أمي طلبت منه مفتاح غرفة صغيرة ورا المذبح. دخلنا أوضة ضيقة مليانة تراب وصناديق قديمة. وإيدي كانت بترتعش وأنا بساعدها تفتح صندوق خشب صغير ملفوف بقماش قديم. ولما فتحناه، لقينا الدفتر فعلًا. جلدته متآكلة، وصفحاته مصفرة، لكن كل كلمة فيه كانت كأنها نار. أسماء. تواريخ. تحويلات مالية. تفاصيل عن ناس لسه ليهم مناصب كبيرة لحد النهارده. أمي الدفتر لصدرها ودموعها نازلة وقالت كنت مستنية اليوم اللي أبقى فيه مش خايفة. لكن قبل ما نخرج من الكنيسة، سمعنا صوت باب بيتقفل بعنف. وبعدين خطوات. تقيلة وقريبة. بصيت ناحية الباب ولقيت راجل واقف في آخر الممر، لابس معطف أسود ونظراته ثابتة علينا. وقال بهدوء مرعب الست دي تعبت ناس كتير أوي وحان وقت ترتاح.

تم نسخ الرابط