ابني اللي عنده تسع سنين قال جملة واحدة غيرت حياتي

لمحة نيوز

ابني اللي عنده سبع سنين قالي جملة واحدة قلبت حياتي كلها، ومن بعدها بقيت حاسس إن البيت اللي تعبت سنين علشان أبنيه بإيديا ماعادش هو نفس البيت اللي كنت راجعله كل ليلة
اسمي روبرتو، عندي اتنين وأربعين سنة، وبشتغل في المبيعات للشركات الكبيرة، وشغلي كان دايمًا محتاج سفر وتنقل بين مدن كتير. كنت بقضي نص عمري في المطارات والفنادق والطرق السريعة، والنص التاني بحاول ألحق أولادي قبل ما يناموا. كنت فاكر إن التعب ده كله له معنى، وإن كل ساعة غياب عن البيت بيتعوضة أمان وراحة واستقرار لأولادي. كنت مؤمن إن الأب الحقيقي هو اللي يشيل الحمل لوحده علشان ولاده يعيشوا مرتاحين حتى لو هو نفسه بيقع من التعب.
مراتي إلينا كانت دايمًا تقول إنها متفهمة طبيعة شغلي، وكنت أصدقها. اتجوزنا بعد قصة حب طويلة، وبنينا بيتنا حتة حتة. اختارت لون الحيطان بنفسها، وأنا زرعت الشجر اللي في الجنينة بإيدي. كل ركن في البيت كان فيه ذكرى، وكل تفصيلة كنت شايف فيها تعب السنين اللي عدّت علينا. ولادنا، نيكولاس وسوفي، كانوا بالنسبة لي أعظم حاجة حصلتلي في حياتي. كنت أرجع من السفر تعبان ومهدود، لكن أول ما أسمع ضحكتهم أحس إن الدنيا لسه بخير.
لكن مع الوقت بدأت أحس

إن في حاجة بتتغير جوه البيت، حاجة صغيرة جدًا في الأول، لدرجة إني كنت بلوم نفسي وأقول يمكن أنا اللي بقيت حساس زيادة بسبب ضغط الشغل. إلينا بقت ساكتة أغلب الوقت، وردودها قصيرة، وعينيها دايمًا على الموبايل. لما كنت أحكي عن يومي كانت ترد بكلمة أو اتنين وترجع تبص للشاشة. حتى ضحكتها بقت مختلفة، كأنها بتضحك من باب المجاملة مش أكتر. حاولت أقنع نفسي إن ده طبيعي، وإن المسؤوليات والضغط بيغيروا أي حد، لكن جوايا كان في إحساس تقيل بيكبر يوم بعد يوم.
في ليلة من الليالي رجعت من رحلة شغل مرهقة جدًا. كنت تعبان بطريقة عمري ما حسيتها قبل كده. كتافي واجعاني، ودماغي هتنفجر من الاجتماعات والكلام والمشاكل. دخلت البيت ولقيت التلفزيون شغال بصوت واطي، وإلينا قاعدة على الكنبة ماسكة التليفون، رفعت عينيها بصتلي ثانيتين وقالتلي إن الأكل في التلاجة. حتى ما قامتش تسلم عليا كويس. ساعتها حسيت بحاجة غريبة، مش زعل فراغ. كأننا بقينا ناس عايشين في نفس المكان بس خلاص مبقاش بينا دفء.
طلعت أوضتي وغيرت هدومي، وبعد شوية لقيت نيكولاس داخل عليا ببيجامته اللي عليها ديناصورات، وشعره منكوش وعينه نعسانة. قعد جنبي وسألني إذا كنت جبتله الهدية اللي وعدته بيها،
فضحكت وقلتله أيوه، لكني لاحظت إنه مش طبيعي. كان متردد، بيبص ناحية الباب كل شوية، وكأنه عايز يقول حاجة وخايف. سألته مالك، فسكت شوية وبعدين قال بصوت واطي جدًا بابا هو ليه ماما بتقولنا ما نقولش كل حاجة ليك علشان إنت مشغول وبتتعب؟
الجملة نزلت عليا تقيلة بطريقة غريبة. حاولت أبتسم وأسأله يقصد إيه، لكنه بدأ يحكيلي عن مواقف صغيرة حصلت وأنا مسافر. حاجات عادية جدًا في ظاهرها، لكنها كانت كفاية تخليني أحس إن في عالم كامل بيتكوّن في البيت وأنا بره، عالم أنا مش جزء منه. قالي إن ماما ساعات بتقفل على نفسها الأوضة بالساعات، وساعات تسيبه هو وأخته قدام التلفزيون علشان عندها صداع، وإنها بقت تتعصب بسرعة جدًا لو سألها عني أو عن مواعيد رجوعي. حكى إن سوفي بقت تخاف تنام لوحدها لأن ماما دايمًا متوترة، وإن البيت بقى هادي بشكل يخوف لما أسافر.
فضلت أسمعه وأنا حاسس إني أول مرة أعرف ولادي بجد. اكتشفت إن ابني الصغير شايل جواه خوف أكبر من سنه بكتير، وإن بنتي الصغيرة بقت تتعلق بأي لحظة بقعدها معاهم كأنها خايفة تختفي. لما خلص كلامه حضنته، وسألته إذا كان زعلان مني علشان بسافر كتير. سكت شوية وبعدين قال أنا بس نفسي تبقى هنا أكتر يا بابا.
الجملة
دي كسرتني أكتر من أي حاجة.
في الليلة دي ما نمتش. فضلت بصص للسقف وأفكر في السنين اللي فاتت كلها. كنت دايمًا مقتنع إن الفلوس والأمان أهم حاجة، وإن غيابي المؤقت هيعوّضه المستقبل اللي ببنيه ليهم. لكن لأول مرة سألت نفسي هو أنا فعلًا كنت ببني مستقبل؟ ولا كنت بخسر الحاضر كله وأنا فاكر إني بكسب؟
تاني يوم كان عندي سفر مهم جدًا، اجتماع ممكن يرفع منصبي في الشركة ويضاعف مرتبي. أي حد مكاني كان هيعتبره فرصة عمره. لكن وأنا واقف قدام الشنطة المفتوحة، سمعت صوت نيكولاس وهو بيلعب مع أخته في الصالة، وضحكتهم وصلتني خفيفة وبعيدة كأنها جاية من زمن تاني. فجأة حسيت إني مش قادر أسافر. مش قادر أسيب البيت بالطريقة دي. لأول مرة الشغل ما بقاش أهم حاجة.
كلمت مديري وقلتله إني محتاج إجازة كام يوم. اتفاجئ جدًا، لأن عمري ما طلبت إجازة من غير سبب واضح، لكني أصرّيت. قفلت التليفون، وبصيت حواليا في البيت. لأول مرة لاحظت تفاصيل صغيرة كنت غافل عنها. رسومات ولادي على التلاجة بقالها شهور وأنا حتى ما سألتش مين رسمها. زرعة صغيرة في الجنينة ماتت ومحدش اهتم يغيرها. صور العيلة اللي على الحيطان كلها قديمة، من سنين فاتت كنا فيها بنضحك بصدق.
قضيت اليوم كله
مع ولادي.
تم نسخ الرابط