ابني اللي عنده تسع سنين قال جملة واحدة غيرت حياتي

لمحة نيوز

أخدتهم الحديقة، ولعبنا كورة، وأكلنا آيس كريم، وسمعت نيكولاس وهو بيحكيلي عن المدرسة وعن صاحبه اللي اتخانق معاه، وسمعت سوفي وهي تحاول تقرأ كلمات متقطعة من قصة أطفال. حاجات بسيطة جدًا، لكنها حسستني إني كنت غايب عن عمرهم أكتر ما كنت متخيل.
بالليل، بعد ما الأطفال ناموا، قعدت مع إلينا لأول مرة من سنين نتكلم بجد. من غير عصبية، ومن غير اتهامات. سألتها إذا كانت سعيدة، فسكتت وقت طويل قبل ما تقول إنها تعبت. تعبت من الوحدة، ومن إنها تشيل البيت والأطفال أغلب الوقت لوحدها، ومن إنها حاسة إن حياتنا بقت ماشية بالروتين وبس. قالت إنها مش فاكرة آخر مرة ضحكنا فيها من قلبنا، ولا آخر مرة قعدنا ناكل من غير ما يكون واحد فينا ماسك التليفون أو مستعجل على حاجة.
سمعتها للآخر.
ويمكن لأول مرة ما حاولتش أدافع عن نفسي.
لأني كنت عارف إنها عندها حق في حاجات كتير.
الأيام اللي بعد كده كانت غريبة وصعبة، لكن مختلفة. بقيت أرجع بدري، وقللت السفر على قد ما أقدر، وبدأت أعيش جوه البيت بدل ما أعدي عليه مرور الكرام. نيكولاس بقى يحكيلي كل حاجة بتحصل معاه أول بأول، وسوفي بقت تجري عليا أول ما أفتح الباب. حتى إلينا، رغم المسافة اللي كانت بينا، بدأت ترجع تتكلم وتضحك بالتدريج.
مش كل الحكايات
نهايتها انفجار أو خراب.
أحيانًا النهاية الحقيقية بتكون صحوة متأخرة.
صحوة تخليك تبص حواليك وتكتشف إن أخطر حاجة مش إنك تخسر بيتك أخطر حاجة إنك تبقى موجود فيه بجسمك بس، بينما قلبك وروحك ضايعين في مكان تاني.
وفي ليلة هادية، بعد شهور طويلة، كنت قاعد في الجنينة اللي زرعتها بإيدي، ونيكولاس بيلعب بالكورة، وسوفي نايمة على الكنبة الصغيرة جنبنا، وإلينا بتحضر الشاي من المطبخ، وفجأة حسيت بحاجة كنت فاكر إني فقدتها خلاص
حسيت إن البيت رجع بيت من تاني.
بعد الليلة دي حياتي ما رجعتش زي الأول، لكن الغريب إن التغيير ما حصلش مرة واحدة، ماكانش فيلم فيه موسيقى حزينة وبعدها كل حاجة تبقى جميلة فجأة. الحقيقة إن أصعب حاجة في الدنيا مش إنك تكتشف إن في مشكلة أصعب حاجة إنك تعترف لنفسك إنك كنت شايفها من زمان وبتتجاهلها علشان خايف تواجهها.
بدأت أقضي وقت أكبر في البيت، وفي أول أسبوع حسيت إني غريب وسط عيلتي. تخيل تبقى أب لسنين طويلة، لكنك ما تعرفش مواعيد أولادك، ولا بيحبوا ياكلوا إيه، ولا حتى مين صاحب ابنك المفضل في المدرسة. كنت فاكر إني قريب منهم علشان بدفع المصاريف وبجيب الهدايا، لكن اكتشفت إن الأطفال ما بيقيسوش الحب بالحاجات دي. الطفل بيقيس الحب بالوقت، بالنظرة، بالسؤال،
بالحضور الحقيقي.
أول صدمة خدتني لما نيكولاس رجع من المدرسة يوم الخميس، رمى الشنطة على الأرض وقال النهارده كان عندنا ماتش آباء وأولاد.
ابتسمت وقولتله حلو وكسبتوا؟
بصلي باستغراب وقال إنت نسيت؟ أنا كنت قايلك من أسبوع.
الكلمة ضربتني في قلبي.
فضل واقف ثواني، وكأنه مستني مني أقول أي حاجة، لكني ما عرفتش. الحقيقة إني فعلًا نسيته. الاجتماع اللي كنت داخله وقتها كان أهم عندي من أي حاجة، وبعده سافرت يومين، والموضوع خرج من دماغي تمامًا.
نيكولاس حاول يتظاهر إنه مش زعلان وقال عادي مامان قالتلي إنك أكيد مشغول.
لكن طريقته وهو بيقولها كانت أصعب من أي عتاب.
في الليلة دي دخلت أوضته بعد ما نام، وقعدت أبصله وهو نايم. طفل صغير، وشه لسه بريء، لكن جواه خيبة أكبر من سنه. افتكرت طفولتي أنا، وافتكرت إزاي كنت بستنى أبويا يرجع من الشغل علشان ألعب معاه عشر دقايق بس، وإزاي كنت أفرح لمجرد إنه يسألني يومي كان عامل إيه. وقتها فهمت إن الأطفال مش محتاجين أب خارق هم بس محتاجين أب حاضر.
من بعدها بدأت أغيّر حاجات كتير. بقيت أصحى بدري أوصلهم المدرسة بنفسي. في الأول كانوا مستغربين، خصوصًا سوفي اللي كانت تبصلي كأني ضيف جديد. كانت ماسكة شنطتها الصغيرة وتسألني كل يوم إنت هتيجي تاخدنا
كمان؟
والسؤال ده كان يوجعني، لأن بنتي مش واثقة حتى إني هرجع آخر اليوم.
كنت أوصلهم وأفضل قاعد بالعربية بعد ما يدخلوا المدرسة شوية، أراقب الأطفال وهم بيجروا ويضحكوا، وأفكر قد إيه العمر بيجري بسرعة. سبع سنين من حياة نيكولاس ضاع نصهم وأنا في مطارات وفنادق. وسوفي قربت تكمل خمس سنين وأنا حتى ماخدتش بالي إمتى بطلت تنطق الكلام غلط وإمتى بقت تعرف تلبس هدومها لوحدها.
أما إلينا، فالعلاقة بينا كانت هادية بشكل غريب. لا إحنا بنتخانق، ولا إحنا مرتاحين. كأننا اتنين تعبانين قاعدين يستنوا يشوفوا إذا كان لسه في فرصة نرجع بشر طبيعيين ولا خلاص.
في مرة كنت قاعد في المطبخ بالليل بشرب قهوة، وهي دخلت بهدوء وسألتني إنت متضايق مني؟
السؤال فاجئني.
لأن الحقيقة إني ماكنتش متضايق منها لوحدها كنت متضايق من نفسي أكتر.
قولتلها أنا متضايق من السنين اللي ضاعت.
سكتت شوية وبعدين قالت وأنا كمان.
ولأول مرة شفت التعب الحقيقي في عينيها.
مش تعب يوم أو أسبوع تعب سنين كاملة.
قالتلي إنها كانت بتحاول تبقى قوية طول الوقت. تحضر الأكل، تذاكر للأطفال، توديهم الدكاترة، تحضر حفلات المدرسة، تصلح مشاكل البيت، وتستقبلني كل مرة كأني زائر جاي يومين وهيمشي. قالت إن الوحدة بتاكل الإنسان حتة حتة
من غير ما يحس، وإنها
تم نسخ الرابط