راجل غريب في جنازة أمي

لمحة نيوز

أنا اسمي هالة، وعندي ستة وخمسين سنة، وعمري ما تخيلت إن أكبر درس في حياتي هتعلمه بعد وفاة أمي. أمي الحاجة زينب عاشت أربعة وتسعين سنة كاملة، وشافت من الدنيا اللي محدش يشوفه. كانت ست قوية، عنيدة أوقات، وحنينة بشكل يوجع القلب. بعد وفاة أبويا من حوالي عشر سنين أصرت تفضل في بيتها القديم اللي على أطراف المحافظة، البيت اللي اتولدت فيه وربتني فيه. حاولت معاها ألف مرة تيجي تعيش معايا، لكنها كانت تضحك وتقول: "أنا لو سبت البيت ده أموت في أسبوع." ومع الوقت استسلمت لرغبتها، وكنت أزورها على قد ما أقدر وأكلمها كل يوم تقريبًا في التليفون.

لكن الحقيقة اللي كنت بهرب منها إني كنت مشغولة بحياتي أكتر مما ينبغي. شغل وبيت وأولاد ومسؤوليات، وكل مرة كان ضميري يأنبني كنت أقول لنفسي إن أمي بخير وإنها قوية وتعرف تدبر نفسها. وكانت دايمًا تطمني وتقول إنها كويسة.

في آخر أربع سنين من عمرها بدأت تذكر شخص غريب في كل مكالمة تقريبًا. كانت تسميه "الراجل أبو موتوسيكل". في البداية ضحكت وافتكرت الموضوع هزار. بعدين

بقيت أسمع عنه كل أسبوع. مرة تقول إنه جاب لها الدوا، ومرة تقول إنه وصلها للمستشفى، ومرة إنه صلح السور، ومرة إنه جاب لها أنبوبة الغاز، ومرة إنه قعد يشرب معاها شاي في الجنينة. كنت أسألها: "مين الراجل ده؟" فترد ببساطة: "واحد ابن حلال وربنا باعثه."

ولأنني كنت مطمئنة أنها ليست وحدها، لم أبحث أكثر. لم أطلب صورته. لم أسأل عن اسمه الكامل. لم أذهب لأراه. وده كان أكبر تقصير ارتكبته في حياتي.

ثم جاء اليوم الذي انطفأ فيه صوت أمي للأبد.

رحلت بهدوء وهي نائمة على سريرها.

وصلت الخبر في الفجر، وسافرت فورًا، وكانت الساعات التالية ضبابية من شدة الحزن. الناس جاءت من كل مكان. أقارب وجيران ومعارف. وبين كل الوجوه رأيت ذلك الرجل.

كان واقفًا بجوار النعش كأنه فرد من العائلة.

ضخم الجثة، عريض الكتفين، لحيته طويلة وفيها شعر أبيض، وذراعاه مغطاتان بالأوشام القديمة. ملامحه كانت قاسية من الخارج لكنها مكسورة من الداخل. لم يتكلم مع أحد. فقط ظل واقفًا ينظر للنعش كأن جزءًا من روحه بداخله.

بعد انتهاء الدفن

والعزاء اقتربت منه وسألته.

سألته من أنت؟

وسألته لماذا تبكي على أمي بهذا الشكل؟

وسألته كيف عرفتها؟

نظر إلي طويلًا ثم تنهد وقال: "اسمي محمود."

ثم سكت قليلًا وأضاف: "لكن الحكاية مش تبدأ من اسمي."

وجلسنا على مقعد خشبي قديم أمام المقابر.

وبدأ يحكي.

قال إنه قبل أربع سنين كان راجع على الموتوسيكل في يوم شتوي قارس. السماء كانت تمطر والبرد يقطع الجلد. وبينما يمر بطريق المقابر رأى سيدة عجوز تسير وحدها وسط المطر.

كانت أمي.

كانت تمشي ببطء شديد وتحمل وردًا في يدها.

توقف وسألها إن كانت تحتاج مساعدة.

فقالت له إنها ذاهبة لزيارة قبر زوجها.

عرض عليها أن يوصلها.

فرفضت في البداية.

لكنه أصر.

وفي النهاية وافقت.

وصلها إلى المقابر وانتظرها.

وبينما كان ينتظر لمح رجلًا مسنًا تعثر وسقط بالقرب من أحد القبور.

جرى ليساعده.

لكن الرجل كان يحتضر.

حاول الاتصال بالإسعاف.

وحاول إنقاذه.

لكن الرجل توفي بين يديه قبل وصول المساعدة.

وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة أمسك بيد محمود وقال له كلمات لم ينساها

أبدًا.

قال له الرجل: "لو عندك أم... خدمها."

ثم مات.

تأثر محمود جدًا بالموقف.

وعندما عاد ليأخذ أمي إلى بيتها وجدها تبكي لأنها شاهدت ما حدث.

وفي الطريق حكت له عن وحدتها.

حكت له عن وفاة زوجها.

وعن ابنتها البعيدة التي تحبها لكنها لا تستطيع رؤيتها كثيرًا.

وعن الأيام الطويلة التي تمر بلا أحد يطرق الباب.

وعندما أوصلها للبيت قالت له: "ربنا يكرمك يا ابني."

فرد عليها تلقائيًا: "من النهاردة أي حاجة تحتاجيها كلميني."

وأعطاها رقم هاتفه.

وهكذا بدأت الحكاية.

في البداية كان يمر مرة كل أسبوع.

ثم مرتين.

ثم صار يزورها تقريبًا كل يوم.

يحضر لها الدواء.

يصلح ما يتعطل.

يوصلها للمستشفى.

يقف معها في الطوابير.

يحمل عنها الأكياس.

يجلس ليسمع حكاياتها القديمة.

وفي المقابل كانت أمي تطبخ له أحيانًا.

وتدعو له.

وتعامله كأنه ابنها.

وهنا توقفت عن البكاء للحظة وسألته: "كل ده ليه؟"

فأخفض رأسه وقال شيئًا لم أكن أتوقعه أبدًا.

قال: "لأن أمي ماتت وهي زعلانة مني."

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

وأكمل.

قال إنه في شبابه كان متهورًا.

دخل السجن أكثر من مرة بسبب المشاجرات.

وكان دائم المشاكل.

وأمه كانت تبكي بسببه دائمًا.

تم نسخ الرابط