راجل غريب في جنازة أمي
وفي يوم تشاجر معها وخرج غاضبًا من البيت.
وعندما عاد وجدها قد توفيت بسكتة قلبية.
لم يحصل على فرصة ليعتذر.
ولم يحصل على فرصة ليقبل يدها.
ومنذ ذلك اليوم وهو يحمل ذنبًا لا يفارقه.
وعندما قابل أمي شعر أن الله أعطاه فرصة ثانية.
ليس ليعوض أمه.
فلا أحد يعوض الأم.
لكن ليقوم بشيء يخفف عنه ذلك الحمل الذي عاش به سنوات طويلة.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا بني اللون.
وقال: "الحاجة زينب وصتني أسلمهولك بعد وفاتها."
ارتجفت يداي وأنا أفتحه.
كان بداخله خطاب مكتوب بخط أمي.
قرأت السطور الأولى فانهرت.
كانت أمي تعرف كل شيء.
تعرف أنني أشعر بالذنب.
وتعرف أنني أحبها.
وتعرف أنني أحاول التوفيق بين حياتي وبين رعايتها.
وكتبت لي: "يا بنتي، لو بتقري الجواب ده يبقى أنا عند رب كريم. أوعي تعيشي في تأنيب ضمير. أنا عمري ما زعلت منك. كنت بشوف تعبك وبحمد
ثم كتبت سطرًا جعلني أبكي أكثر.
كتبت: "أما محمود، فهو مش غريب. محمود ابني اللي ما جبتوش."
وتابعت: "لما كنت أشوفه داخل من الباب كنت بحس إن ربنا بعتلي سند في آخر العمر. كان يخدمني من غير ما أطلب، ويسأل عليا قبل ما أسأل عليه. ولو في يوم بنتي حست إنها قصرت، قولوا لها إن الراجل ده كان نعمة من عند ربنا، مش بديل عنها."
لم أستطع إكمال القراءة من شدة البكاء.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الجواب.
كتبت أمي أنها باعت قطعة أرض صغيرة كانت تملكها منذ سنوات طويلة دون أن تخبر أحدًا.
وأنها قسمت المال إلى قسمين.
قسم لي.
وقسم لمحمود.
لأنها كانت تعتبره ابنًا لها.
اعترض محمود بشدة.
قال إنه لا يريد أي مال.
لكن أمي كانت قد أنهت كل الإجراءات القانونية قبل وفاتها.
وقالت في وصيتها إن رفض المال يعتبر مخالفة لرغبتها الأخيرة.
وبعد شهور من وفاتها عرفت ماذا فعل محمود بالمبلغ.
لم يشترِ سيارة.
ولم يشترِ بيتًا.
ولم يصرفه على نفسه.
بل اشترى به سيارة صغيرة مخصصة لنقل كبار السن والمرضى مجانًا داخل القرى المحيطة.
ووضع عليها اسمًا جعلني أبكي من جديد.
كتب على جانبها: "عربية الحاجة زينب."
وصار ينقل بها العجائز إلى المستشفيات والمساجد والمصالح الحكومية بلا مقابل.
وكلما سألته لماذا يفعل ذلك كان يبتسم ويقول: "ده دين في رقبتي."
وفي أول ذكرى لوفاة أمي ذهبت لزيارة قبرها.
وعندما وصلت وجدته هناك.
كان يحمل وردًا ويقف صامتًا.
وقفنا معًا دقائق طويلة دون كلام.
ثم نظرت إلى السماء وشعرت لأول مرة أن أمي لم تكن وحيدة أبدًا.
كانت محاطة برحمة الله في صورة إنسان ظننت يومًا من مظهره أنه مخيف.
لكن قلبه كان أنقى من قلوب كثيرة ترتدي أفخم الثياب.
وفي تلك اللحظة فهمت
السر لم يكن رجلًا غريبًا.
ولم يكن قصة غامضة.
السر كان أن الخير الحقيقي لا يعلن نفسه.
يمشي بين الناس بهدوء.
وقد يأتيك على هيئة شخص لا تتوقعها أبدًا.
أما الوعد الذي جعله يترك أشغاله ودنياه ويخدم أمي أربع سنوات كاملة، فكان وعدًا قطعه لنفسه أمام قبر أمه الراحلة بعدما عرف معنى الندم الذي لا ينتهي.
وحتى اليوم، كلما مررت بجوار السيارة المكتوب عليها "عربية الحاجة زينب"، أتذكر أمي وأدعو لها، وأدعو لذلك الرجل الذي أثبت لي أن صلة الرحم ليست دائمًا دمًا يجري في العروق، أحيانًا تكون رحمة يزرعها الله في قلب إنسان، فيصبح أقرب من كثير من الأقارب، وأوفى من كثير من الأبناء، وأصدق من ألف كلمة حب، وأنبل من ألف وعد. وعرفت متأخرة أن أمي لم ترحل وهي وحيدة كما كنت أخشى، بل رحلت وهي مطمئنة، لأن الله أرسل