مراتي كانت يتيمة

لمحة نيوز

 

أو على الأقل حاولت.

لكن الغريب…

إني صحيت الصبح على صوت خبط عنيف على الباب.

قومت مفزوع.

فتحت.

لقيت راجل كبير واقف.

وشه صارم.

وعينه كلها غضب.

أول ما شافني قال:

“إنت أحمد؟”

قولت:

“أيوة.”

مدلي ظرف أبيض.

وقال:

“اقراه.”

فتحت الظرف.

وكان جواه ورقة واحدة.

لكن أول سطر فيها خلاني أحس إن رجلي مش شايلاني.

لأن الورقة كانت من مكتب محاماة.

ومكتوب فيها:

“نيابةً عن السيدة ريم…”

ساعتها قلبي وقع.

لأن ريم عمرها ما كان عندها حد.

ولا أهل.

ولا معارف.

ولا أي حد يقف في ضهرها.

فمين اللي جاب المحامي؟

ومين اللي عرف يوصل بيتي؟

ومين الراجل اللي واقف قدامي؟

رفعت عيني أبصله.

فقال الجملة اللي خلت الدنيا تلف بيا
حكايات بسمه

الراجل بصلّي بنظرة احتقار وقال بصوت أجش: **"ريم مكنتش وحيدة يا أحمد.. هي كان وراها 'عيلة' أكبر بكتير من اللي إنت متخيله.. عيلة اختارتها، مش عيلة فرضت عليها بالدم."**
الورقة كانت إخطار طلاق، ومعاها أمر قضائي بتمكين ريم من حضانة ملك، ومحضر إثبات حالة باللي حصل ليلة امبارح، ومطالبة بحقوقها الشرعية كاملة.
رجلي خذلتني ووقعت على الأرض. الراجل ده كان محامي مؤسسة كبرى، عرفت بعدين إن ريم بقالها سنتين بتشتغل في الخفاء، بتدرس وتطور نفسها، وكانت بتحوش كل قرش بتطلعه من شغلها البسيط عشان تأمن لنفسها "خط رجعة"، عشان في يوم زي ده، ما تضطرش

تنحني لأهلي أو ليّ.
قالي الراجل: **"ريم مش في الشارع يا أحمد. ريم دلوقتي في بيت 'الأمان'، المؤسسة اللي ربتها، اللي بقت هي أهلها وسندها، والكل واقف وراها دلوقتي."**
أمي وأختي خرجوا من الأوضة لما سمعوا الصوت، ولما عرفوا إن ريم رفعت قضية، أمي زعقت: "بنت الأيتام دي اتجنتت! فاكرة نفسها مين؟"
الراجل المحامي التفت لأمي وقال بصوت هادي ومرعب: "يا مدام، ريم النهاردة مش 'يتيمة'.. ريم وراها جيش من المحامين، ووراها قانون بيحمي حقها، ولو فكرتوا تضايقوها بكلمة واحدة، المحاضر دي هتتحول لقضايا تشهير وإهانة.. ريم سابتلكم البيت، وسابتلكم كل اللي تملكوه.. بس هي خدت أغلى ما عندكم."
أنا قمت وقفت: "أغلى ما عندي؟ قصدك ملك؟"
الراجل ابتسم بسخرية: "وملك مش بس بنتك.. ملك هي اللي اختارت تروح مع أمها. البنت شافت أبوها بيذل أمها، وشافت جدتها وعمتها بيكسروها، والطفلة اللي عندها 4 سنين قالت للمحقق بنفسها: 'أنا مش عايزة أعيش في بيت فيه صراخ'."
في اللحظة دي، حسيت إن البيت كله بيقع فوق دماغي. 7 سنين كنت فاكر إني سيد البيت، وإني "المسترجل" اللي بيسيطر على مراته عشان مالهاش حد، وفي الآخر طلعت أنا اللي كنت "اليتيم" من المشاعر، واليتيم من الرجولة.
خرج المحامي وسابني في صمت رهيب. أمي وأختي كانوا لسه بيحاولوا يبرروا، لكن أنا ما كنتش سامع أي حاجة. دخلت أوضة ملك.. ريحتها لسه في الأوضة، لعبتها
اللي كانت بتحبها لسه مرمية على السرير.
اتصلت بريم ميت مرة، كانت بتعملي "بلوك". حاولت أروح المؤسسة، منعوني.
بعد شهر من العذاب، وأنا قاعد في بيتي الفاضي اللي بقى جنازة، جالي إيميل من ريم. كان فيه صورة ليها هي وملك، وهما بيضحكوا لأول مرة من سنين. وكان مكتوب سطر واحد بس:
**"كنت بتقولي هتروحي لمين؟.. أنا روحت لنفسي، وروحت للبيت اللي بيحبني، وخدت بنتي عشان تعيش في أمان.. إنت اللي بقيت 'يتيم' دلوقتي يا أحمد."**
بعد مرور ستة أشهر، تغير كل شيء. لم أعد ذلك الرجل الذي يعود لبيتٍ يملؤه الصمت والكآبة، فقد بعت ذلك البيت الذي كان شاهداً على قسوتي وذكرياتي الأليمة، وانتقلت لشقة صغيرة، أعيش فيها مع صور ملك وريم، في انتظار معجزة لم تأتِ بعد.
في أحد الأيام، وأنا أسير في وسط القاهرة، رأيت ريم من بعيد. لم تكن ريم التي أعرفها؛ تلك التي كانت تحني رأسها وتتجنب نظرات أمي. كانت تمشي بثبات، مرتدية ملابس عملية وأنيقة، وبجانبها ملك التي بدت أكثر حيوية وسعادة. اقتربتُ منهما بخطوات متلعثمة، وعندما رأتني، لم تهرب، بل توقفت ونظرت إليّ بنظرة خالية من الحقد، نظرة "إشفاق".
قلتُ بصوتٍ مخنوق: "ريم.. أرجوكِ، دقيقة واحدة."
نظرت إلى ملك وقالت: "ملك، حبيبتي، استني عند المحل ده، دقيقة وراجعة."
وقفت أمامي، وقالت ببرود لا يرحم: "أحمد، أنا مش هنا عشان أسمع اعتذاراتك. أنا هنا عشان أقولك إن اللي
عملته فيّ خلاني أكتشف إن القوة مش في الأهل ولا في الفلوس، القوة في إنك تكون صادق مع نفسك. أنت خسرتني وخسرت ملك، ليس لأنك لم تحبنا، بل لأنك سمحت للآخرين أن يرسموا لك 'رجولتك' على حساب كرامتنا."
قلتُ وأنا أوشك على البكاء: "أنا تغيرت يا ريم.. أمي وأختي لم يعد لهما مكان في حياتي. أرجوكِ، أعطني فرصة واحدة، ليس من أجلي، بل من أجل ملك."
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: "ملك محتاجة أب، مش محتاجة 'بطل قصص' يعتذر بعد فوات الأوان. إذا أردت أن تكون أباً، فافعل ذلك لأجلها، بعيداً عني، وعن حياتي التي بنيتها بدموعي."
لم تعد لي بالحب، لكنها منحتني الفرصة لأكون "أباً" فقط. بدأت بزيارة ملك، كنت ألتزم بكل كلمة أقولها، أتحمل كل نظرة عتاب من ريم، وأحاول أن أبني جسراً من الثقة لا يُبنى بيوم وليلة.
اليوم، وبعد سنة من ذلك اللقاء، أصبحتُ شخصاً مختلفاً. لم أعد ذلك الزوج الذي يعاير زوجته بضعفها، لأني عرفت أن القوي حقاً هو من يحمي من يحب، لا من يستقوي عليه.
ريم لم تعد لي، وربما لن تعود أبداً، وهذا هو "العقاب" الذي استحقته يداي. تعلمتُ الدرس بأقسى طريقة ممكنة: **"الأهل ليسوا من يحملون نفس دمك، الأهل هم من يختارونك في لحظة ضعفك قبل قوتك."**
وأنا، أحمد، الذي كنت أظن أني "سيد العائلة"، أصبحت اليوم مجرد رجلٍ يحاول أن يغفر لنفسه، ويتعلم من ابنته وزوجته السابقة، أن الحب لا يكتمل إلا بالاحترام،
وأن من يستهين بكرامة من يحب، هو في الحقيقة يستهين بكرامته هو قبل أي شيء.
 

تم نسخ الرابط