بئر الندالة

لمحة نيوز

أنا لسه موجودة. قالت طبعًا. خرجت من المستشفى بعد العملية وأنا لأول مرة أمشي من غير ما أحاول أخفي وشي. بعض الناس كانوا بيبصوا، وبعضهم كانوا بيبعدوا عيونهم، وبعضهم كانوا بيحاولوا يظهروا تعاطفهم. لكني بدأت أتعلم إن نظرات الناس مش مسؤوليتي. مسؤوليتي إني أرجع أعيش. في الفترة دي الست اللي كانت مرتبطة بخطيبي ظلت على تواصل معي. لم نصبح صديقتين في يوم وليلة، لكننا بدأنا نفهم إن كل واحدة منا كانت ضحية مختلفة لنفس الرجل. قالت لي ذات يوم كنت بكرهك. قلت وأنا كنت بكرهك من غير ما أعرفك. ضحكت بحزن وقالت هو كان محتاجنا نكره بعض. قلت علشان ما نتكلمش. هزت رأسها. كان عندها طفل يحتاج حماية أيضًا، وبعد ظهور الحقيقة، بدأت إجراءات تثبت النسب الحقيقي للطفل، وتبين أن خطيبي كان يستخدم قصته كأداة ضغط. لم يكن الطفل مذنبًا في أي شيء. وكان أكثر شخص بريء وسط كل هذه الفوضى. قررت أن أساعد في حمايته قانونيًا من غير ما أتدخل في حياة أمه. كان بالنسبة لي درسًا مهمًا أحيانًا الشخص الذي تتخيله عدوك يكون هو نفسه واقعًا تحت سيطرة شخص آخر. أما مدير أعمال خطيبي، فقد أصبح شاهدًا أساسيًا. كان يشعر بالذنب، لكنه بدأ يتحمل مسؤوليته. قال لي في إحدى الجلسات أنا كنت أقدر أوقفه من البداية. قلت أيوه. قال أنا آسف. قلت أنا مش محتاجة اعتذارك، محتاجة منك تقول الحقيقة. قال هقولها. وفعلاً قالها. كل التفاصيل. كل الاجتماعات. كل التحويلات. كل المكالمات. كل الخطة. حتى الجملة التي قال فيها خطيبي إنه كلما قل خروجي من البيت أصبح التحكم فيّ أسهل، تم توثيقها. ومع مرور الوقت، بدأت الصورة التي بناها خطيبي لسنوات تنهار. العقود توقفت. الشركات بدأت تراجع علاقتها به. الناس التي كانت تصفق له بدأت تسأله أسئلة لم يعرف كيف يجيب عنها. حاول مرة أخرى أن يظهر في مقابلة ويقول إنه كان يعاني من ضغط نفسي، وإنه لم يكن يقصد ما حدث، وإنه كان يحبني. لكن المحامية أصدرت بيانًا قالت فيه إن التحقيقات مستمرة وإن أي محاولة للتأثير على الرأي العام لن تغير الأدلة. بعد ذلك لم يعد يستطيع التحكم في القصة. الحقيقة أصبحت أكبر منه. في إحدى الليالي كنت جالسة مع المحامية، وسألتها هو ممكن يخرج من كل ده؟. قالت القانون هياخد مجراه. قلت أنا مش عايزة انتقام. قالت وده حقك. قلت أنا بس عايزة أقدر أصحى الصبح من غير ما أخاف. قالت هتقدري. وفعلاً بدأت أقدر. بدأت أتعلم أعيش مع آثار الحادث. بدأت أرجع أمشي لمسافات أطول. بدأت أقرأ. بدأت أشتغل من جديد على مشروع كنت أجلته قبل الفرح. كنت في الماضي أعيش على أساس إن حياتي هي علاقتي به. الآن بدأت أفهم أن حياتي أوسع من أي شخص. بعد عدة أشهر، جاء موعد العملية الثانية. كانت أصعب من الأولى. لكن هذه المرة دخلت المستشفى وأنا أقوى. قبل العملية، اتصلت بي الست وقالت أنا فخورة بيكي. قلت لها ليه؟. قالت علشان ما بقيتيش الشخص اللي هو كان عايزك تبقيه. قفلت المكالمة وأنا مبتسمة. بعد العملية، بدأت ملامحي تتحسن تدريجيًا. لم تختفِ الآثار بالكامل، لكنني لم أعد أراها كعلامة على ضعفي. أصبحت علامة على أنني نجوت. في نفس الفترة، وصلني خطاب من خطيبي عن طريق محاميه. كان يطلب مقابلتي. المحامية رفضت في البداية، لكنني قلت لها أنا عايزة أشوفه. قالت ليه؟. قلت علشان أقفل الباب. تمت المقابلة في مكان رسمي وتحت رقابة. دخل وهو يبدو أكبر من سنه. فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، وشعره كان غير مرتب، ووجهه لم يعد يحمل تلك الثقة التي عرفتها فيه. قعد قدامي وقال أنا آسف. قلت قول الحقيقة. قال أنا حبيتك. قلت الحب مش كده. قال أنا كنت خايف. قلت من إيه؟. قال من خسارة كل حاجة. قلت فقررت تخليني أنا أخسر كل حاجة. سكت. قلت كنت عايزني أعيش معاك وأنا خايفة منك. قال ما كنتش فاكر إنها هتوصل لكده. قلت إنت قلت بنفسك كل ما أخاف أخرج من البيت يبقى التحكم أسهل. رفع عينه وقال كنت غبي. قلت لا. كنت عارف بتعمل إيه. بدأ يبكي. لكني لم أشعر بأي انتصار. فقط شعرت إن الشخص اللي أمامي لم يعد له أي سلطة عليّ. قال لو رجع الزمن، كنت هعمل كل حاجة بشكل مختلف. قلت لو رجع الزمن، كنت هختار نفسي من أول يوم. قال هل هتسامحيني؟. قلت يمكن في يوم أسامح نفسي إني وثقت فيك، لكن مش علشان أريحك. سألني يعني انتهى كل شيء؟. قلت انتهى من يوم ما سمعتك بتتكلم عن تشوه وشي كأنه مشروع. بعدها قمت وخرجت. بعد أشهر أخرى، صدر الحكم في القضايا المتعلقة بالاعتداء والتلاعب والاحتيال والتدخل في علاجي، وتلقى كل شخص متورط العقوبة التي قررتها المحكمة بناءً على الأدلة. لم أحتفل. لم أرقص. لم أشعر بالسعادة بسبب سقوطه. فقط شعرت براحة لأن الحقيقة أصبحت مسجلة، ولم يعد بإمكانه أن يقول إنني كنت أتوهم أو أبالغ. أما أنا، فكان أمامي طريق أطول. بدأت أشارك في مؤسسة صغيرة تساعد النساء اللواتي تعرضن للسيطرة والعنف النفسي والمالي. لم أكن أحب الحديث عن نفسي في البداية، لكنني مع الوقت فهمت أن قصتي يمكن أن تساعد واحدة أخرى على رؤية علامات الخطر قبل فوات الأوان. تعلمت أن العنف مش لازم يبدأ بضربة. أحيانًا يبدأ بكلمة أنا أعرف مصلحتك. أحيانًا يبدأ بشخص يصر على أن يتحكم في علاجك، أو أموالك، أو علاقاتك، أو خروجك من البيت. أحيانًا يبدأ بابتسامة وحجة تبدو حنونة. وبعد فترة تكتشف إن حياتك كلها أصبحت تحتاج موافقته. كنت واحدة من هؤلاء النساء، لكنني خرجت. بعد سنة تقريبًا من الحادث، وقفت أمام المرآة في صباح هادئ. لم أكن أضع أي شيء يخفي آثار وشي. مررت أصابعي على الندبة، ثم ابتسمت. لم تكن ابتسامة سعيدة تمامًا، لكنها كانت حقيقية. فتحت هاتفي، ووجدت رسالة من المحامية تقول إن آخر ملف مرتبط بالقضية تم إغلاقه. جلست على الكرسي وبدأت أبكي. لكن هذه المرة لم تكن دموع خوف. كانت دموع نهاية. بعدها اتصلت بالست الأخرى. قالت لي خلص؟. قلت خلص. قالت إنتِ كويسة؟. قلت أيوه. سألتني هتعملي إيه النهاردة؟. قلت هخرج. ضحكت وقالت لوحدك؟. قلت أيوه. خرجت من البيت ومشيت في الشارع. لأول مرة منذ الحادث لم أشعر أن الناس تنظر إليّ كضحية. بعضهم نظر إلى وجهي، وبعضهم لم ينظر، وبعضهم لم يهتم أصلًا. اكتشفت أن العالم لم يتوقف بسبب ندبتي. الحياة استمرت. وأنا أيضًا. دخلت مكانًا صغيرًا، طلبت قهوة، وجلست بجوار النافذة. فتحت دفترًا وكتبت أول جملة في مشروع جديد أنا لم أستعد حياتي، أنا بنيت حياة جديدة. وبعدها بدأت أكتب كل شيء. كتبت عن الحب الذي يتحول إلى سيطرة، وعن الخوف الذي يتخفى في شكل حماية، وعن الشخص الذي يبتسم أمام الناس بينما يخطط لتقييد إنسان آخر خلف الأبواب. كتبت عن المرأة الأخرى، وعن الطبيب، وعن الرجل الذي خاف وسكت، وعن المحامية التي علّمتني أن الأدلة أقوى من الصراخ. وكتبت عن نفسي. عن البنت التي صدقت أن الحب يعني أن تسلم كل مفاتيح حياتك لشخص واحد. وفي آخر صفحة كتبت أنا لم أكن غبية لأنني وثقت. الغلط الحقيقي كان عند الشخص الذي استغل ثقتي. وبعد سنوات، كنت في إحدى الندوات الصغيرة أتكلم أمام مجموعة من النساء عن علامات السيطرة. سيدة رفعت يدها وقالت إزاي أعرف إن الشخص اللي معايا بيحبني فعلًا
تم نسخ الرابط