بئر الندالة
ولا بيتحكم فيا؟. سكت لحظة وقلت لها الحب بيخليك تحسي إنك أقوى، مش أصغر. الحب بيخلي عندك حق في القرار، مش يسحب منك القرار. الشخص اللي بيحبك ممكن ينصحك، لكن مش لازم يملكك. وممكن يخاف عليك، لكن مش يستخدم خوفك علشان يحبسك. سألتني وإنتِ عرفتي ده إزاي؟. لم أذكر اسمه. لم أذكر أي بلد. لم أذكر أي تفاصيل يمكن أن تحول قصتي إلى فضيحة. فقط قلت عرفته متأخر، لكني عرفته. بعد الندوة، جاءت لي امرأة شابة وقالت كلامك أنقذني. سألتها إزاي؟. قالت كنت فاكرة إني لازم أستحمل علشان الناس شايفاه راجل محترم. ابتسمت لها وقلت إنتِ مش مطالبة تثبتي للناس إنه سيئ علشان يكون من حقك تمشي. كفاية إنك مش مرتاحة. كانت الجملة دي بالنسبة لي أهم من أي انتصار قانوني. لأنني فهمت أنني لم أعد أعيش فقط لأنتقم من الماضي، بل لأمنع الماضي من تكرار نفسه مع شخص آخر. أما المرأة التي كانت في حياة خطيبي، فقد بدأت حياة جديدة مع طفلها. لم تصبح بيننا علاقة مثالية، لكن أصبح بيننا احترام. كل واحدة منا كانت تحمل جرحًا مختلفًا، وكل واحدة فهمت أن الرجل نفسه كان يحاول استخدامنا ضد بعض. وفي يوم، اتصلت بي وقالت الطفل بيسأل عنك. ضحكت وقلت قولي له إني لسه فاكرة أول مرة شفته فيها. قالت هو فاكر إنك ساعدتيه. قلت هو اللي علمني إن الطفل ما لهوش ذنب في أخطاء الكبار. وبعد فترة، بدأت أتعامل مع الطفل كإنسان مستقل عن القصة كلها. لم يكن جزءًا من الحرب. كان طفلًا يستحق أن يعيش من غير ما يحمل ذنب أسرار الكبار. أما الرجل الذي كان خطيبي، فقد اختفى تدريجيًا من حياتي. لم أعد أبحث عن أخباره. لم أعد أريد أن أعرف ماذا يقول أو من يزوره أو ماذا يفعل. أحيانًا الماضي يحاول يرجع ليس لأنه يستحق الرجوع، لكن لأنه تعود على وجوده في حياتك. وأنا تعلمت أن عدم الالتفات إليه هو أقوى رد. بعد ثلاث سنوات من الحادث، كنت أزور الطبيبة التي أجرت لي آخر عملية ترميم. دخلت العيادة، وبصت لي وقالت لو حد شافك أول يوم ودلوقتي، مش هيصدق. ضحكت وقلت أنا نفسي مش مصدقة. قالت إنتِ قوية. قلت أنا اتعلمت أكون قوية. خرجت من العيادة، ووقفت أمام الزجاج للحظة. شفت انعكاسي. الندبات ما اختفتش. لكنها لم تعد أول شيء أراه. أول شيء كنت أراه هو عيني. نفس العين اللي فتحتها يوم سمعت الحقيقة. نفس العين اللي كانت بتبص لراجل كانت فاكرة إنه حب حياتها، ثم اكتشفت إنه كان أخطر شخص عليها. نفس العين اللي بكت، ثم جفت، ثم تعلمت تبص لقدام. وفي مساء ذلك اليوم، فتحت الصندوق الخشبي القديم الذي احتفظت به طوال السنوات. كان فيه التقارير القديمة، والرسائل، وبعض الصور، وأشياء من الفترة التي سبقت الحادث. أخذت كل شيء وحطيته في صندوق جديد، وكتبت عليه انتهى. لم أحرقه. لم أمزقه. احتفظت به لأنني لم أعد أخاف منه. في البداية كنت أظن أن النجاة تعني أن أنسى. ثم فهمت أن النجاة تعني أن أتذكر من غير ما أعيش في الخوف. أنا لم أنسَ الألم. لم أنسَ الرجل الذي خطط لتدميري. لم أنسَ فقدي للحملين. لم أنسَ الأيام اللي كنت فيها عاجزة عن النظر في المرآة. لكنني لم أعد أسمح لأي شيء من ذلك أن يحدد قيمتي. وفي ليلة كنت واقفة فيها في شرفة بيتي، رن هاتفي. كانت رسالة من المحامية افتكري إنك من أول يوم قلتي إنك مش عايزة تكوني ضحية. ابتسمت ورديت أنا ما بقيتش ضحية. وضعت الهاتف جانبًا، وبصيت للسماء، وقلت لنفسي أنا نجوت. وفي اليوم التالي بدأت صفحة جديدة من حياتي. لم يكن فيها عرس، ولا خطيب مشهور، ولا ملايين، ولا كاميرات. كان فيها شيء أبسط وأغلى أنا. لأول مرة كنت أقرر وحدي متى أخرج، ومتى أعود، وماذا ألبس، وماذا أعمل، ومن أحب، ومن أرفض، ومتى أقول لا. لأول مرة لم أكن أحتاج موافقة أحد على أن أكون نفسي. وبعد سنوات، عندما سألني شخص عن أكبر درس تعلمته، قلت له أخطر كذبة ممكن تصدقها هي إن الشخص اللي بيحبك من حقه يتحكم فيك. وسألني ولو رجع الزمن؟. قلت كنت ههرب من أول علامة. لكنه قال وأنتِ ندمانة؟. فكرت قليلًا وقلت أنا ندمانة على الوقت اللي ضاع، وعلى الألم اللي كان ممكن أتجنبه، لكني مش ندمانة إني عرفت الحقيقة. لأن الحقيقة، مهما كانت موجعة، أنقذتني. ثم نظرت إلى المرآة ولم أخفِ وجهي. كان فيه أثر، نعم. لكنه لم يعد عارًا. كان شهادة. شهادة على أنني كنت على وشك أن أخسر كل شيء، وأن شخصًا حاول أن يجعلني أعيش بقية عمري خائفة، لكنه فشل. لأنني في اللحظة التي سمعت فيها صوته وهو يقول كل ما تقل رغبتها في إنها تخرج من البيت، كل ما يبقى التحكم فيها أسهل، لم أفهم فقط أنه خانني. فهمت أنه كان يريد أن يملك حياتي بالكامل. ولهذا لم يكن إلغاء الفرح مجرد إلغاء مناسبة. كان أول قرار حقيقي اتخذته لنفسي منذ سنوات. لم يكن اتصالي بالمحامية مجرد مكالمة. كان أول مرة أطلب فيها مساعدة من غير ما أستأذن. ولم يكن التقرير الطبي مجرد ورقة. كان أول دليل يثبت لي أن إحساسي بأن هناك شيئًا خطأ لم يكن وهمًا. وفي النهاية، لم تنتصر امرأة على أخرى، ولم يخسر رجل لأنه اختار امرأة، ولم تكن القضية مجرد خيانة. الحقيقة كانت أعمق من ذلك. كانت قصة رجل ظن أن الشهرة والمال يسمحان له بالتحكم في حياة الآخرين، وقصة امرأة ظنت أن الحب يعني التضحية حتى آخر نفس، ثم اكتشفت أن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تختفي علشان هو يفضل ظاهرًا. وأنا اليوم، لما أبص لنفسي، ما بشوفش المرأة اللي اتهاجم وجهها. بشوف المرأة اللي فتحت عينيها قبل ما يفوت الأوان، وسمعت الحقيقة، وقررت ما تسكتش. وبشوف المرأة اللي بدل ما تقضي بقية عمرها جوه البيت زي ما كان مخطط، خرجت للعالم كله من جديد. وبشوف إن الندبة اللي كان عايز يستخدمها كسجن أصبحت بالنسبة لي مفتاح باب جديد. باب لحياة ما فيهاش خوف، وما فيهاش كذب، وما فيهاش حد بيقرر بالنيابة عني أنا أعيش إزاي. ولو كان عندي فرصة أقول جملة واحدة للبنت اللي كنتها قبل الحادث، كنت هقول لها ما تخافيش من خسارة شخص يخليك تخسري نفسك. لأنني خسرت الرجل الذي كنت أعتقد أنه حياتي، لكنني في المقابل استعدت حياتي الحقيقية. وده كان أكبر انتصار ممكن أحصل عليه.