من يوم ما اتجوزت خالد وأنا كنت شايفة حياتي معاه بداية حلم كبير، كنا لسه صغيرين لكن بينا مودة واحترام، وبعد الجواز بشهور قليلة بس جات له فرصة شغل بره البلد، فرصة كان شايف إنها هتغير حياتنا للأفضل، ساعتها قال لي وهو بيحاول يطمني: “استحملي شوية يا أم ياسين، سنتين تلاتة بالكثير وأرجع نعيش مرتاحين”، وأنا صدقته بكل قلبي، وقلت لنفسي إن التعب المؤقت هيبقى وراه راحة طويلة، وفعلاً سافر خالد وبدأت حياتي الجديدة… حياة انتظار طويلة. في أول سنة كنت مستحملة، المكالمات كانت بتيجي كل كام يوم، وكان دايماً يحكيلي عن شغله وعن تعبه، وكنت أنا أحكيله عن ياسين اللي كان لسه طفل صغير بيكبر قدامي يوم بعد يوم، لكن مع مرور الوقت المكالمات بقت أقل، مرة في الأسبوع، وبعدين مرة في الشهر، وبعد كده بقت تمر شهور طويلة من غير ما أسمع صوته. كنت دايماً ألاقي له أعذار، أقول لنفسي يمكن الشغل واخده، يمكن الظروف صعبة، يمكن هو تعبان ومش فاضي، وكل ما حد من قرايبي أو صحابي يقول لي “إزاي سايبة جوزك كل السنين دي؟” كنت أرد بثقة: “خالد راجل محترم وشقيان عشاننا”. مرت السنين وأنا شايلة البيت لوحدي، بربي ابني، بذاكر له، بحضر اجتماعات المدرسة، وبواجه كل مشاكل الحياة من غير ما أشتكي، كنت فعلاً حاسة إني بقيت ست بـ100 راجل زي ما الناس بتقول، بس رغم كل التعب كنت متمسكة بالأمل إن اليوم اللي يرجع فيه خالد هيكون بداية حياة جديدة لينا كلنا. لما ياسين كبر وبقى عنده 12 سنة، بقى فاهم كل
حاجة حوالينا، وكان ساعات يسألني: “هو بابا هيرجع إمتى؟”، كنت أبتسم وأقول له: “قريب يا حبيبي”، رغم إني جوايا ما كنتش عارفة إمتى القريب ده هييجي. في يوم من الأيام كنت قاعدة مع صحابي في سهرة بنات عادية، بنحكي ونضحك ونخرج شوية من ضغط الحياة، وجت سيرة السفر والغربة، فطلعت موبايل ووريتهم صورة خالد، كنت بحكي بفخر عن صبرنا وعن تعبنا في السنين اللي فاتت، وفجأة واحدة من البنات اللي كانت معانا، اسمها ليلى، بصت للصورة واتغيرت ملامحها وقالت باستغراب: “استني… هو ده خالد؟”، قلت لها: “أيوه، تعرفيه؟”، قالت لي بتردد: “جوزي بيشتغل في نفس المدينة اللي هو فيها… والراجل ده ساكن قريب منهم جداً”. قلبي دق بسرعة وسألتها: “طب وبعدين؟”، سكتت لحظة كأنها بتفكر تقول ولا لأ، وبعدين قالت كلام خلاني حاسة إن الأرض بتميد بيا، قالت إن خالد معروف هناك إنه عايش حياته بشكل مختلف تماماً، وإنه بيقول للناس إنه راجل عازب ومافيش حد في حياته في بلده. اللحظة دي كانت من أصعب اللحظات في حياتي، حسيت إن كل السنين اللي فاتت بقت فجأة مليانة أسئلة، هل فعلاً كنت عايشة في وهم؟ هل كل صبري كان في غير مكانه؟ حاولت أتماسك قدام البنات لكن جوايا كان في دوامة كبيرة من التفكير. رجعت البيت يومها وفضلت طول الليل باصة للسقف، بفكر في كل موقف عدّى عليا، في كل مكالمة قصيرة، في كل مرة قلت لنفسي “أكيد الظروف”، لكن رغم كل ده ماحبتش أصدق بسرعة، قلت لنفسي يمكن في سوء فهم. الأيام عدت، وخالد ماكانش بيتواصل
تقريباً بقاله فترة طويلة، وأنا بدأت أحاول أعيد ترتيب حياتي، أركز في ابني وشغلي وبيتي، لحد ما في يوم حصلت حاجة ماكنتش متوقعة أبداً… خالد رجع فجأة. دخل البيت وكأنه راجع من سفر أسبوع مش سنين، سلم ببرود وسأل عن ياسين، وبعد كلام قليل قال جملة خلتني مصدومة: قال إنه سمع كلام من ناس إن سمعتي بقت على كل لسان وإن لازم أروح معاه لشيخ في بلدهم وأحلف قدامه على المصحف إني طول السنين اللي فاتت كنت محافظة على نفسي. ساعتها حسيت إن الدم بيغلي في عروقي، أنا اللي قضيت عمري كله مستنية ومتحملة كل حاجة، ييجي في الآخر يطلب مني حاجة زي دي؟ بصيت له بهدوء وقلت: “مفيش مشكلة… أنا أروح وأحلف، بس بشرط بسيط… إنت كمان تحلف إنك عشت السنين دي بنفس الطريقة وما عملتش حاجة تخالف كلامك”. قبل ما يرد حتى، حماتي قامت من مكانها وقالت بغضب: “إنتي اتجننتي؟ إزاي تقارني نفسك بابني؟”، لكني كنت خلاص وصلت لمرحلة من القوة ماكنتش أتوقعها، قلت لهم بهدوء شديد: “أنا مش بقارن، أنا بطلب عدل وبس، اللي يطلب حاجة يكون مستعد يعملها”. الجو في البيت بقى مشحون جداً، خالد كان باين عليه الارتباك، وحماتي كانت بتحاول تضغط عليا بالكلام، لكني كنت ثابتة على موقفي. قلت لهم بوضوح إن المرة الوحيدة اللي ممكن يشوفوني فيها وأنا رايحة للمكان اللي بيتكلموا عنه هتكون وأنا معايا أوراق قانونية تنهي كل حاجة بيني وبينه، لأني مش مستعدة أعيش بقية عمري تحت شك أو ضغط بعد كل اللي عديت بيه. الأيام اللي بعدها كانت
مليانة توتر وكلام كتير من قرايبنا، ناس بتحاول تهدي الأمور وناس بتلوم وناس بتسأل، لكني كنت مركزة في حاجة واحدة بس… كرامتي وكرامة ابني. خالد حاول أكتر من مرة يقنعني أغير كلامي، لكنه كل مرة كان يتهرب لما أرجع أكرر نفس الشرط: “لو أنا هاحلف… إنت كمان تحلف”. ومع مرور الوقت بدأ واضح إن المواجهة دي مش سهلة عليه، لأنه طول عمره كان متعود إن الكلمة تمشي عليه من غير نقاش، لكن المرة دي الوضع مختلف. وفي النهاية حصل اللقاء اللي الكل كان مستنيه، اجتمعنا قدام الشيخ ومعانا شوية من كبار العيلة، الجو كان صامت بشكل غريب، والكل منتظر يشوف إيه اللي هيحصل. الشيخ بص لنا بهدوء وقال إن الحلفان حاجة كبيرة ولازم كل واحد يكون صادق قدام ربنا قبل أي حد، وبعدين طلب مني أتكلم، فقلت نفس الكلام اللي قلته من الأول: “أنا مستعدة أقول الحقيقة قدام ربنا والناس… بس لازم يبقى فيه عدل”. كل العيون اتجهت لخالد، وهو كان واقف ساكت، واضح عليه الصراع الداخلي، لحظات مرت كأنها ساعات، وفي اللحظة دي اتضح إن الحقيقة دايماً أقوى من أي محاولة للهروب منها، لأن الإنسان ممكن يقدر يهرب من كلام الناس، لكن صعب يهرب من مواجهة ضميره. وبعد الاجتماع الطويل خرجت أنا وابني من المكان ده وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن ظهري مستقيم، يمكن الطريق اللي جاي مش سهل، ويمكن حياتي هتتغير كتير، لكن الشيء الوحيد اللي كنت متأكدة منه إني أخيراً اخترت نفسي واحترمت تعبي وصبري وكل السنين اللي وقفت فيها لوحدي.