بعد زواج دام 8 سنوات ل الهواري
خرجت من بيت الشيخ وأنا حاسة إن صدري تقيل كأن جبل متحطوط عليه، لكن في نفس الوقت كان جوايا إحساس غريب بالراحة، الراحة اللي بتيجي لما الإنسان أخيراً يقرر يبطل يبرر ويواجه الحقيقة زي ما هي. الطريق للبيت كان طويل، وأنا ماسكة إيد ياسين وهو ساكت، كأنه حاسس إن اليوم ده مختلف عن أي يوم عدّى قبل كده. لما دخلنا البيت قعدت على الكنبة وبصيت حواليا، كل ركن في المكان ده كان شاهد على سنين طويلة من الانتظار والتعب والصبر، سنين كنت فيها لوحدي فعلاً، بحاول أكون أم وأب في نفس الوقت. ياسين قعد جنبي وقال بهدوء: “ماما… إحنا كده خلاص مش هنعيش مع بابا تاني؟” سؤاله كان بسيط لكنه كان تقيل على قلبي، مسحت على شعره وقلت له: “يا حبيبي اللي يهمني إنك تبقى مرتاح وآمن، وأنا عمري ما هسيبك ولا هقصّر معاك”. هز راسه كأنه فاهم أكتر من سنه بكتير، وساعتها حسيت قد إيه الطفل ده كبر بسرعة بسبب الظروف اللي مرينا بيها.
بعد اليوم ده بدأت مرحلة جديدة في حياتي، مرحلة مليانة قرارات صعبة لكن ضرورية. قرايبي انقسموا لنوعين: ناس شافت إني عملت الصح، وناس قالت إني كنت لازم أسكت وأعدّي الموضوع عشان “البيت ما يتخربش”. لكن أنا كنت خلاص وصلت لقناعة
في يوم من الأيام، بعد حوالي شهر من اللي حصل، طلب خالد يقابلني في بيت أهله عشان نتكلم بهدوء بعيد عن ضغط الناس. ترددت في الأول، لكن وافقت في الآخر عشان أحط النقاط على الحروف. لما دخلت البيت حسيت إن كل حاجة فيه رجعتني لورا سنين، نفس الصالة، نفس الصور المعلقة على الحيطة، نفس الكراسي اللي كنا بنقعد عليها زمان. خالد كان قاعد ساكت، أول ما شافني وقف كأنه مش عارف يبدأ الكلام إزاي. قعدنا قدام بعض دقيقة كاملة من غير ما حد فينا ينطق حرف، لحد ما هو أخيراً قال: “أنا عارف إن اللي حصل كبير… بس مكنتش متخيل إن الأمور هتوصل لكده”.
بصيت له بهدوء وقلت: “الأمور ماوصلتش لكده فجأة… دي نتيجة سنين طويلة من الغياب والصمت”. حاول يشرحلي قد إيه الغربة كانت صعبة، وقد إيه الحياة هناك كانت مختلفة، وإنه كان بيحاول يوفر لنا مستقبل أحسن. سمعت كلامه للآخر من غير ما أقاطعه، لكن في الآخر قلت
الكلام كان سهل، لكن الثقة اللي اتكسرت ما بترجعش بالكلام بس. قلت له بصراحة إن إصلاح أي حاجة محتاج وقت طويل، ومحتاج أفعال قبل أي كلام. هو كان واضح عليه إنه مش متعود يسمع الكلام ده، لكنه في نفس الوقت كان فاهم إن المرة دي مختلفة عن أي مرة قبل كده. بعد اللقاء ده بدأت الأيام تمشي بهدوء أكتر، خالد بقى ييجي يشوف ياسين بانتظام، يقضي معاه وقت ويحاول يقرب منه بعد سنين الغياب. في البداية ياسين كان متحفظ شوية، لكنه مع الوقت بدأ يفتح قلبه شوية شوية، لأنه في الآخر طفل محتاج يحس إن أبوه موجود.
أما أنا فكنت مركزة على حياتي الجديدة، اشتغلت أكتر واهتميت بتطوير نفسي، وبدأت أحس لأول مرة من سنين إن عندي مساحة أفكر في نفسي مش بس في الآخرين. الناس حواليا لاحظوا التغيير ده، حتى صحابي اللي كانوا زمان بيقولوا لي “إنتي مستنية ليه؟” بقوا يقولوا إنهم فخورين بقوتي وصبري. ومع مرور الشهور بدأت الصورة توضح أكتر،
في يوم من الأيام، بعد حوالي سنة من كل اللي حصل، كنا قاعدين أنا وياسين في البلكونة بنشرب شاي في مساء هادي، والجو كان لطيف بشكل غريب. ياسين بص لي وقال: “ماما… أنا شايف إنك بقيتي أقوى من زمان”. ضحكت وقلت له: “يمكن لأني اتعلمت إن الإنسان لازم يقف مع نفسه الأول”. ابتسم وقال: “أنا فخور بيكي”. الكلمة دي رغم بساطتها خلتني أحس إن كل التعب اللي عديت بيه كان ليه معنى.
حياتي ما بقتش مثالية، ومافيش حد حياته بتبقى كاملة، لكني اتعلمت درس مهم: إن الصبر شيء جميل لما يكون في مكانه الصحيح، لكن الأجمل منه إن الإنسان يعرف إمتى يحافظ على كرامته ويقف بثبات. يمكن خالد فضل جزء من ماضي حياتي، ويمكن الأيام لسه شايلة مفاجآت كتير، لكن الحاجة الوحيدة اللي كنت متأكدة منها إني أخيراً بقيت قادرة أبص للمستقبل وأنا رافعة راسي، ومعايا ابني اللي بقى سندي الحقيقي في الدنيا، واللي كل يوم بيثبت لي إن القوة مش بس في تحمل الألم… القوة الحقيقية في إن الإنسان يعرف يبدأ من جديد مهما كان