عزومة رمضان ل نور محمد

لمحة نيوز

من أول يوم في رمضان.. وأنا حاسة إني خادمة برتبة زوجة. البيت ما بيفضاش، وعزومات حماتي ما بتخلصش، وكل يوم نفس الدوامة: تنظيف، تجهيز، طبخ، وغسيل، ووقفة طويلة قدام النار لحد ما رجلي ما بقتش شايلاني. كنت أصحى من الفجر عشان ألحق أخلص الشغل قبل ما الضيوف يوصلوا، ومع كل ده ولا مرة سمعت كلمة "تسلم إيدك" أو حتى نظرة تقدير. حماتي كانت دايمًا تبص لي بطرف عينها وتقول ببرود: "نضفي الصالة كويس.. في ناس مهمة جايين يفطروا معانا." وأنا أقول حاضر.. وأبتسم رغم التعب اللي مكسر ضهري. كنت بقول لنفسي إن ده طبيعي، وإن الصبر واجب، وكنت بصبر نفسي بحاجة واحدة بس… أحمد، جوزي. كنت فاكرة إنه حاسس بيا، وإنه شايف تعبي، وإنه في يوم هيقول لي كلمة واحدة بس تخفف كل اللي جوايا. لكن الصدمة بدأت من أسبوع لما طلبت منه نخرج نفطر يوم واحد بره، مجرد يوم نغير فيه الجو ونرتاح من ضغط المطبخ والبيت. بص لي ببرود وقال: "وأمي تفطر لوحدها؟ إنتي عايزة تخربي البيت ولا إيه؟" ساعتها حسيت إن الكلام زي السكينة دخلت في قلبي،

لكني سكت.. بلعت غصتي وسكت. فضلت أكمل زي ما أنا، لحد ما جه يوم العزومة الكبيرة. حماتي قالت لي من بدري: "النهاردة عايزة سفرة ما اتعملتش قبل كده.. في ضيوف غاليين على أحمد قوي." اشتغلت من الصبح، عملت محشي وورق عنب وفراخ وبطاطس بالبشاميل وكنافة وكل اللي يحبوه. كنت بلف حوالين نفسي زي النحلة عشان السفرة تطلع كاملة. قبل المغرب بساعة، دخل أحمد ومعاه بنت ووالدتها. البنت كانت لابسة شيك جدًا، وشعرها متظبط، ومكياجها خفيف بس مبين جمالها. حماتي أول ما شافتها قامت حضنتها كأنها بنتها اللي ما خلفتهاش، وقالت لها بدلع: "نورا يا حبيبتي.. نورتي البيت." قعدوا كلهم على السفرة، وأنا واقفة أقدم الأكل زي الخدامة. حماتي بصت لنورا وقالت: "شوفتي يا نورا؟ السفرة دي كلها عشانك.. أحمد هو اللي اختار الأصناف دي مخصوص." بصيت لأحمد وأنا مش مصدقة، لكنه نزل عينه في الطبق وسكت. نورا ضحكت وقالت: "تسلم إيدك يا طنط.. الأكل ريحته تجنن." حماتي ردت بسرعة: "أهم حاجة يعجبك إنتي.. إحنا يهمنا راحتك قبل أي حاجة." وأنا
قاعدة بينهم زي الكرسي، محدش وجه لي حتى كلمة شكر واحدة. بعد الفطار قمت ألم الأطباق لوحدي ودموعي بتلمع في عيني. خرجت أقدم الشاي، لقيت أحمد قاعد جنب نورا وبيضحك معاها بطريقة عمري ما شوفتها منه. قلت له بصوت مرتعش: "أحمد.. ممكن ثانية في المطبخ؟" دخل معايا وهو متضايق وقال: "في إيه؟ مش شايفانا قاعدين مع الضيوف؟" قلت له: "الضيوف دول يبقوا مين يا أحمد؟ وليه بتتعامل معاها كده قدامي؟" رد عليا ببرود: "نورا بنت صاحبة أمي.. وأمي شايفاها أنسب واحدة ليا.. وبصراحة أنا كمان بدأت أقتنع." حسيت الأرض بتلف بيا وقلت: "أنت بتقول إيه؟ وأنا؟ أنا مراتك!" قال وهو بيهز كتفه: "إنتي بقيتي نكدية.. وشكلك بقى مبهدل من وقفة المطبخ.. مابقتيش تملي عيني يا سلمى." سابني وخرج، وفضلت واقفة في المطبخ وسط المواعين والأكل اللي عملته بإيدي ودموعي بتنزل بصمت. بعد شوية دخلت حماتي وبصت لي بنظرة انتصار وقالت: "نضفي المطبخ كويس يا حبيبتي.. عشان نورا هتبات معانا النهاردة، وعايزة البيت يبرق." وقفت مكاني مش قادرة أتكلم.
دخلت أوضتي عشان ألم هدومي وأمشي، لكن قبل ما أدخل سمعت حماتي بتهمس لأحمد في الصالة: "متستعجلش وتطلقها دلوقتي يا أحمد.. اصبر لحد ما العيد يخلص.. مين هيخدمنا ويعمل كحك العيد ويشيل البيت لو مشيت دلوقتي؟" وساعتها سمعت أحمد بيرد بجملة كسرت آخر حاجة جوايا: "معاكي حق.. خلينا نستفيد منها للآخر." في اللحظة دي حسيت إن كل حاجة جوايا ماتت. ما صرختش، ما عيطتش بصوت عالي.. بالعكس، حسيت بهدوء غريب. دخلت أوضتي وقفلت الباب، قعدت على السرير شوية أفكر، وفجأة بدأت أضحك ضحكة خفيفة كأن حد فاقني من حلم طويل. مسحت دموعي، وبدأت ألم هدومي في شنطة صغيرة. بس قبل ما أخرج، وقفت وبصيت حواليا. الشقة دي أنا اللي كنت شايلة فيها كل حاجة، وأنا اللي تعبت فيها سنين. فجأة جات لي فكرة. فتحت المطبخ تاني، وبدأت أشتغل بهدوء. مش عشانهم… لأ. كنت بجهز أكبر مفاجأة في حياتهم. خدت كل الأكل اللي فاضل من السفرة، وحطيته في علب، وبعدها خرجت من البيت من غير ما حد ياخد باله. رحت الشارع اللي جنبنا، ووزعت الأكل كله على عمال النظافة

تم نسخ الرابط