عزومة رمضان ل نور محمد

لمحة نيوز

 والناس الغلابة اللي قاعدين يفطروا على الرصيف. كانوا بيدعولي من قلبهم، وأنا لأول مرة حسيت إني بعمل حاجة ليا. بعدها روحت بيت أبويا. أول ما فتح الباب وشافني بالشنطة، فهم من غير كلام. حضني وقال: "حقك علينا يا بنتي… مكانك هنا." فضلت هناك يومين، وفي اليوم التالت اتصل بيا أحمد وهو بيزعق: "إنتي مشيتي ليه؟ البيت مقلوب! ومفيش حد يعمل حاجة!" قلت له بهدوء: "مش دي المشكلة الحقيقية يا أحمد." سكت لحظة وقال: "تقصدِي إيه؟" قلت: "المشكلة إنك فاكر إني خدامة مش زوجة." حاول يضحك وقال: "كبرتي الموضوع ليه؟ ارجعي وخلاص." قلت له بهدوء شديد: "أنا بالفعل خلصت الموضوع… رفعت قضية طلاق." سكت ثواني طويلة كأنه مش مصدق. وبعدها بدأ يزعق ويهدد، لكني قفلت المكالمة. بعد شهور قليلة، خلص الطلاق. عرفت بعدها إن نورا اختفت من حياته بسرعة، وإن حماته اللي كانت شايفة نفسها ملكة البيت بقت بتلف تدور على حد يساعدها، ومفيش حد مستحمل طباعها. أما أنا… بدأت حياة جديدة. اشتغلت في مشروع صغير للأكل البيتي، والناس حبت أكلي جدًا. الطلبات كترت، والمشروع كبر، وبقيت لأول مرة أحس إن تعبي بيرجع لي تقدير حقيقي. وفي ليلة من ليالي رمضان بعد سنة، كنت واقفة في المطبخ بتجهز طلبات الإفطار، وبصيت لنفسي في المراية وابتسمت. مش لأني انتقمت… لكن لأني أخيرًا فهمت الحقيقة: إن اللي يقبل يعيش خادمة… الناس هتعامله كده. لكن أول ما يقرر يكرم نفسه… الدنيا كلها بتتغير.

بعد ما قفلت السكة مع أحمد وبدأت حياتي الجديدة،

كنت فاكرة إن القصة خلصت عند كده… لكن الحقيقة إن اللي حصل بعد الطلاق كان بداية فصل تاني ما كنتش أتوقعه أبدًا. أول كام أسبوع كانوا صعبين جدًا. رغم إن القرار كان صح، إلا إن الجرح كان لسه طازة. كل ليلة كنت أفتكر سنين عشتها وأنا بحاول أرضي ناس عمرهم ما شافوني أصلًا. كنت أقعد في أوضتي عند أبويا وأفكر: إزاي كنت راضية أعيش كده؟ إزاي صدقت إن ده اسمه جواز؟ لكن مع الوقت، بدأت أفوق لنفسي. أبويا كان دايمًا يقول لي: "اللي حصل حصل… المهم إنتي تعملي إيه بعد كده." وفعلاً قررت ما أضيعش عمري في الندم. بدأت أشتغل في الأكل البيتي زي ما كنت بقول دايمًا لنفسي إني بحبه. في الأول كانت طلبات بسيطة من جيران ومعارف، لكن مع الوقت الناس بدأت تتكلم عن الأكل، وكل حد يجرب يرجع يطلب تاني ويجيب معاه حد جديد. بقى عندي زباين كتير، وبقيت أصحى كل يوم بنشاط غريب عمري ما حسيت بيه قبل كده. لأول مرة كنت بشتغل لنفسي… مش عشان أرضي حد بيبص لي باحتقار. وفي يوم من الأيام وأنا واقفة في المطبخ بجهز طلب كبير لإفطار رمضان، رن تليفوني. الرقم كان غريب، لكن أول ما رديت سمعت صوت ما كنتش متوقعة أسمعه تاني. كان أحمد. سكت ثواني وبعدين قال بصوت واطي: "إزيك يا سلمى." حسيت قلبي دق بسرعة، لكني رديت بهدوء: "خير يا أحمد؟" قال لي بعد تردد: "أنا… كنت عايز أتكلم معاكي شوية." قلت له: "لو في حاجة قولها." سكت لحظة وبعدين قال: "أنا غلطت." الكلمتين دول كانوا أغرب حاجة سمعتها منه في حياتي. أحمد اللي عمره ما اعترف بغلطه،
بيقولها دلوقتي؟ قال وهو صوته مكسور: "أمي كانت بتأثر عليا… وأنا سمحت لها تتحكم في حياتي… خسرتك بسبب ده." ما رديتش بسرعة. كنت سامعة صوته لكن جوايا كان في هدوء غريب. قال تاني: "نورا طلعت مش زي ما كنا فاكرين… كانت بس عايزة مصلحة، ولما عرفت إني اتطلقت فعلاً اختفت." سكت شوية وبعدين قال الجملة اللي خلتني أقفل عيني لحظة: "أنا ندمان يا سلمى… لو ينفع نبدأ من جديد." للحظة، ذكرياتي كلها عدت قدامي… رمضان اللي كنت واقفة فيه لوحدي في المطبخ… كلامه الجارح… همس حماته… إحساسي إني مجرد خدامة. فتحت عيني وقلت له بهدوء: "أحمد… اللي اتكسر ما بيرجعش زي الأول." حاول يقاطعني لكني كملت: "أنا دلوقتي بقيت إنسانة تانية… تعلمت إني أكرم نفسي قبل أي حد." سكت شوية وبعدين قال بصوت خافت: "يعني خلاص؟" قلت له: "أيوه… خلاص." قفلت المكالمة، ووقفت شوية أبص حواليا. المطبخ اللي كنت بكرهه زمان بقى دلوقتي مكاني المفضل. هنا أنا مش خدامة… هنا أنا صاحبة شغل وحلم. بعد شهور قليلة، المشروع كبر أكتر مما كنت أتخيل. بقيت أجهز عشرات الطلبات يوميًا، وبقى عندي بنتين بيساعدوني في الشغل. حتى إن واحد من الزباين عرض عليا أفتح محل صغير باسمي. يوم افتتاح المحل كان من أسعد أيام حياتي. علقت لافتة كبيرة مكتوب عليها: "مطبخ سلمى البيتي". وأنا واقفة قدامها حسيت إن كل لحظة ألم عشتها كانت بتدفعني للنقطة دي. بعد الافتتاح بكام يوم حصلت حاجة غريبة. كنت واقفة في المحل بجهز طلب، وفجأة دخلت ست كبيرة… أول ما بصيت لها اتجمدت
مكاني. كانت حماتي. كانت واقفة قدامي، بس مش بنفس النظرة القديمة. شكلها كان متغير… ملامحها تعبانة، وعينيها فيها شيء بين الكسر والخجل. قالت بصوت واطي: "إزيك يا سلمى." ما رديتش بسرعة. كانت أول مرة نشوف بعض من بعد الطلاق. بصيت لها وقلت بهدوء: "خير يا طنط." قالت وهي بتفرك إيديها: "أنا… كنت جاية أقولك حاجة." سكتت لحظة وبعدين قالت: "أنا ظلمتك." الكلمة دي خرجت منها بصعوبة واضحة. كملت وهي بتتنهد: "كنت فاكرة إني بحمي ابني… لكن في الحقيقة أنا خربت بيته." سكتنا لحظة طويلة، وبعدين قالت: "سامحيني لو تقدري." بصيت لها بهدوء. زمان كنت ممكن أبكي أو أصرخ… لكن دلوقتي كنت حاسة إني فوق كل ده. قلت لها: "أنا سامحتك من زمان… عشان أرتاح أنا." رفعت عينيها لي وكأنها مش مصدقة. سألتني: "يعني مش زعلانة مني؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت: "الزعل كان زمان… دلوقتي أنا بس عايشة حياتي." خرجت من المحل وهي ساكتة. وأنا رجعت أكمل شغلي. في الليلة دي لما قفلت المحل ورجعت البيت، قعدت في البلكونة أبص للسماء. افتكرت أول رمضان كنت فيه واقفة في المطبخ حاسة إني خدامة. وافتكرت كل لحظة وجع بعدها. لكني أدركت حاجة مهمة جدًا… إن اللي بيكسرنا أحيانًا بيبقى هو نفس الشيء اللي بيخلينا أقوى. يمكن لو ما كنتش عشت اللي عشته… ما كنتش هبقى الإنسانة اللي أنا عليها دلوقتي. إنسانة تعرف قيمتها… وما تسمحش لحد يقلل منها تاني. وفي اللحظة دي بالذات حسيت براحة حقيقية… الراحة اللي بتيجي لما الإنسان أخيرًا يختار نفسه.

تم نسخ الرابط