رجع البيت شاف أمه بتشغل مراته خدامة
عند سن الـ 35، كان "ريان" المثال الحي للراجل اللي بنى نفسه من الصفر. خمس سنين غربة وشغل ليل ونهار، تعب وسفر وصفقات ومخاطرة… لحد ما بقى اسمه معروف في عالم المطاعم والعقارات. الفلوس بقت تيجي له زي المطر، لكن قلبه كان معلق بحاجة واحدة بس: بيته… ومراته "ياسمين".
النهاردة قرر يرجع من غير ما يقول لحد. مفاجأة. حاجة تعوضها عن سنين الوحدة وهو بعيد. وهو في العربية ماسك علبة قطيفة فيها عقد ألماظ نادر، بيبتسم ويهمس: "المرة دي مش هسيبك تاني".
وصل القصر اللي بناه بدم قلبه… بس أول خطوة جواه كانت كأنها خنجر في قلبه. حفلة كبيرة… أكل فاخر… ضحك عالي… وأخوه "حسام" واقف بيرفع الكاس ويقول:
"نخب تحويلات ريان اللي مبيحسش!"
والضحك انفجر في القاعة.
ريان وقف متجمد ورا الفازة الضخمة، قلبه بيدق بعنف، لكن عقله كان بيسأل سؤال واحد: فين ياسمين؟
لف القصر كله… ملقاش أثرها. لحد ما الخادم قال الجملة اللي هزته من جوه:
"تقصد الخدامة؟ تلاقيها في أوضة الغسيل."
ريان مشي في الممر الخلفي ببطء… كل خطوة تقيلة كأن الأرض بتشد رجله. وصل لباب أوضة صغيرة جنب المخزن. الباب كان مفتوح نص فتحة… وصوت ميه وصوت خبط أطباق.
بص جوه.
وقف الزمن.
ياسمين… مراته… اللي كان بيحلم يفرش لها الدنيا
ريان حس إن قلبه انكسر.
همس: "ياسمين…"
إيديها وقفت فجأة… وبصت وراها ببطء.
لما شافته… الصدمة في عينيها كانت مرعبة.
المواعين وقعت من إيديها واتكسرت على الأرض.
"ريان؟!"
وقفت قدامه وهي بتترعش… وكأنها مش مصدقة.
هو مد إيده ولمس وشها… كان بارد وضعيف.
قال بصوت مخنوق:
"إيه اللي حصل لك؟ مين عمل فيك كده؟"
ياسمين حاولت تبتسم… بس دموعها سبقتها.
"مفيش حاجة… أنا كويسة."
لكن ريان شاف الحقيقة في عينيها.
شد إيديها وطلع بيها للصالة الكبيرة.
أول ما دخلوا… الضحك وقف فجأة.
حسام نزل الكاس من إيده… وأمه زبيدة فتحت عينيها بصدمة.
ريان وقف في نص القاعة وقال بهدوء مرعب:
"كملوا… ليه سكتوا؟ مش كنتوا بتحتفلوا؟"
محدش رد.
ريان بص لأمه وقال:
"ممكن أفهم… ليه مراتي بتغسل المواعين في بيتي؟"
زبيدة حاولت تتماسك وقالت بحدة:
"البت دي لازم تعرف مقامها. الفلوس دي فلوس العيلة… مش فلوسها."
الصمت نزل تقيل.
ريان ضحك… ضحكة قصيرة مرعبة.
"فلوس العيلة؟"
وبعدين بص لحسام:
"والعربيات اللي برا؟ والدهب؟ والحفلات؟ دي منين؟"
حسام اتلعثم:
"إحنا… إحنا كنا بنصرف من التحويلات.
ريان طلع موبايله… وضغط زر.
في ثواني… دخل أربعة رجالة ببدل سوداء.
"دول المحاسبين بتوعي."
ورمى ملف تقيل على الترابيزة.
"خمس سنين تحويلات… وكل قرش متسجل."
فتح الملف… وبدأ يقرا بصوت عالي.
"فيلا باسم حسام… عربية سبور باسم دعاء… حساب بنكي باسم جوزها… ومجوهرات بملايين."
وشوشهم بدأت تصفر.
ريان رفع عينه وقال:
"لكن أغلى حاجة في البيت ده… كانت بتتذل في أوضة الغسيل."
بص لياسمين… وكانت واقفة ساكتة والدموع على خدها.
قرب منها… وركع قدامها فجأة.
الكل اتجمد.
طلع علبة القطيفة وفتحها… والعقد الألماظ لمع تحت النور.
قال بصوت مكسور:
"سامحيني… أنا اللي سلمتك للذئاب."
ياسمين انهارت في العياط.
ريان وقف… وبص لعيلته نظرة باردة.
"من اللحظة دي… ولا واحد فيكم ليه مكان هنا."
حسام صرخ:
"إنت بتهزر! ده بيتنا!"
ريان رد بهدوء:
"لا… ده بيتي."
وأشار للحراس.
"خمس دقايق… وكل واحد يطلع برا."
البيت اتقلب فوضى… صريخ… اعتراض… تهديدات… لكن محدش قدر يغير القرار.
بعد نص ساعة… القصر بقى فاضي.
ريان وقف في الجنينة مع ياسمين تحت نور القمر.
قال لها بهدوء:
"أنا غلطت لما فكرت إن الدم أمان."
مسح دموعها وأضاف:
"بس دلوقتي… هنبدأ من جديد."
ياسمين سألته بصوت ضعيف:
"
ابتسم وقال:
"أيوه… من غيرهم."
بعد شهور قليلة… القصر اتغير.
الحفلات اختفت… والبيت بقى هادي.
ياسمين بقت شريكة ريان في كل حاجة… في الشغل… في القرارات… وفي الحياة.
أما العيلة…
ففضلوا يحكوا للناس عن الغلطة اللي خلتهم يخسروا الراجل اللي كان شايلهم فوق راسه.
وريان؟
كل ليلة كان يبص لياسمين ويقول لنفسه:
"الفلوس ممكن ترجع… لكن القلب اللي بيحب بجد… ده كنز نادر."
ومن يومها… عمره ما سمح لأي حد يقف بينهم تاني.
بعد اللي حصل في ليلة طرد العيلة من القصر، حياة ريان وياسمين بدأت تهدى شوية… لكن الهدوء ده كان زي السكون اللي بييجي قبل العاصفة.
القصر بقى فاضي لأول مرة من سنين. لا ضحك مزيف، ولا أصوات حفلات، ولا طلبات فلوس كل يوم. بس الحقيقة إن الجراح اللي اتفتحت جوه ياسمين كانت أعمق بكتير من إنها تتقفل بسرعة.
ريان كان بيصحى كل يوم بدري، يخرج يتمشى في الجنينة الواسعة اللي كان فاكر زمان إنها حلم اتحقق. لكن كل مرة كان يبص للشجر والنافورة، كان يفتكر حاجة واحدة:
إزاي مراته اللي كانت ملكة البيت اتحولت لخدامة فيه وهو بعيد.
وفي يوم من الأيام، وهو قاعد يشرب قهوته في البلكونة، لمح حاجة غريبة.
ياسمين كانت واقفة لوحدها في آخر الجنينة… بتبص للبوابة
قرب منها بهدوء وقال:
"بتفكري فيهم؟"
هزت راسها بالنفي بسرعة… بس عينيها قالت الحقيقة.