عودة ياسين

لمحة نيوز

رجعت من المدرسة وأنا حاسة إن الأرض بتتمرجح تحت رجلي الكلام اللي سمعته من المدير كان مستحيل يتصدق، بس في نفس الوقت كان مرعب لدرجة إني مقدرتش أطرده من دماغي.
ابنك مات من سنتين
الجملة كانت بتتكرر في ودني كأنها صدى بعيد.
ركبت تاكسي وأنا إيدي بتترعش، وكل شوية أبص في الموبايل يمكن ياسين يرن ويرد عليا لكن الموبايل كان مقفول. الطريق للبيت كان طويل بشكل غريب، رغم إنه في العادي ما بياخدش أكتر من نص ساعة. كنت ببص من الشباك والناس ماشية في الشارع بشكل طبيعي، كأن الدنيا كلها عادية إلا أنا.
وصلت البيت أخيراً.
وقفت قدام الباب لحظة قلبي كان بيدق بسرعة غريبة.
مديت إيدي بالمفتاح وفتحته.
أول حاجة سمعتها كانت ضحكة يحيى الصغير جاية من جوة وبعدها صوت ياسين.
صوت ياسين.
اتجمدت مكاني.


يعني هو هنا فعلاً زي كل مرة.
دخلت ببطء، ولقيت يحيى قاعد على الأرض بيلعب بالعربية بتاعته، وياسين قاعد جنبه على الكنبة بيبص للموبايل.
أول ما شافني، ابتسم وقال
رجعتي بدري يا ماما.
وقتها حسيت إن قلبي رجع يدق طبيعي شوية.
قربت منه بسرعة ومسكت وشه بإيديا.
إنت كويس؟! إنت فعلاً كويس؟
بصلي باستغراب وضحك ضحكة خفيفة.
هو في إيه؟ أنا كويس طبعاً.
لكن
وأنا ببص في عينيه حسيت بشعور غريب.
عينيه كانت أهدى من اللازم.
مش نفس النظرة اللي كنت عارفاها.
قلت له وأنا بحاول أخبي خوفي
طب قولّي إنت كنت في المدرسة إمتى آخر مرة؟
بص بعيد لحظة، كأنه بيفكر.
من شوية قبل الإجازة.
الكلام كان عادي
بس الإجابة كانت غريبة.
قبل الإجازة؟
طب أي إجازة؟
قلت له
إجازة إيه؟
بصلي تاني وقال بابتسامة صغيرة
إجازة
الصيف.
لكن إحنا كنا في نص السنة.
جسمي كله اتسحب منه الدم.
حاولت أغير الموضوع بسرعة وقلت
طب وريني الشهادات اللي قلتلي عليها.
قام من مكانه ودخل أوضته، وبعد دقيقة رجع ومعاه ملف بلاستيك.
فتحته بإيدي المرتعشة.
الشهادات كانت موجودة فعلاً درجاته كلها امتياز، وأول على الفصل.
لكن لما بصيت كويس
حسيت إن في حاجة غلط.
الختم.
الختم كان باهت كأنه متصور مش مطبوع.
وقبل ما أتكلم، قال ياسين بهدوء
إنتي رحتي المدرسة النهارده صح؟
رفعت عيني بسرعة وبصيت له.
مين قالك؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أنا عارف.
عارف إزاي؟
رد بهدوء غريب
لأني قلتلك قبل كدة متروحيش.
ساعتها حسيت ببرودة في ضهري.
يحيى الصغير كان لسه بيلعب، لكنه فجأة رفع راسه وبصلي وقال
ماما هو ياسين هيبات معانا تاني؟
قلت له
طبعاً
يا حبيبي.
لكن يحيى هز راسه وقال حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
بس هو مش بيبات هو بيختفي بالليل.
بصيت له بسرعة.
يعني إيه؟
قال ببساطة الأطفال
كل يوم لما أصحى أشرب مية بالليل بلاقي سريره فاضي.
لفيت بسرعة وبصيت على ياسين.
كان واقف ساكت بيبصلي بنفس الابتسامة.
قلت بصوت مهزوز
إنت بتخرج بالليل؟
رد بهدوء
آه ساعات.
بتروح فين؟
سكت لحظة وبعدها قال
مش مهم تعرفي.
الجو في البيت بقى تقيل فجأة.
وفي اللحظة دي
جرس الباب رن.
صوت الجرس كان عالي بشكل غريب.
مشيت ناحية الباب وفتحته.
كان واقف قدامي
مدير المدرسة.
وشه كان شاحب، وورا ضهره اتنين رجال شرطة.
قال بصوت واطي
إحنا آسفين يا مدام بس لازم نشوف الولد.
قلبي وقع.
ليه؟
رد
لأن الجثة اللي اتدفنت من سنتين طلعت مش جثة ابنك.
الشرطي قال
إحنا
فتحنا القبر النهارده.
اتجمدت مكاني.
ولقينا إن الجثة كانت لطفل تاني.
بصيت ورايا ناحية الصالة.
تم نسخ الرابط