أنا ياسر، عندي 34 سنة، بقالي 8 سنين شغال في نفس الشركة في المنصورة، بدأت مندوب مبيعات غلبان بلف في الشوارع تحت الشمس وأشوف الناس وتستفزني الصعوبات، ومحدش كان متوقع مني حاجة، بس كان عندي صبر أيوب وعناد ملوش آخر، كل همي إن ابني زياد ما يعيشش العيشة الصعبة اللي أنا عشتها، مرت سنين وأنا بأكد لنفسي إن التعب هينتهي بيوم فرح لما أشوفه سعيد ومبسوط، وفي المشوار ده كان دايمًا فيه شخص واقف في ضهري، مديري أستاذ فريد، اللي عنده 41 سنة، هادي وشخصيته كلها حكمة وحنية، رجالة بمعنى الكلمة، وعلّمني معنى الصبر والعمل الجاد، الغريب إنه طول 8 سنين عمري ما شوفت حد من عيلته، ولا كلمنا عن مراته أو ابنه، دايمًا كان يقول عيلتي بتحب الخصوصية، وبصراحة كنت بحترم ده، بس في قلبى كنت دايمًا متسائل، إيه نوع الحياة اللي هو عايشها بعيد عننا، يوم ما الشركة قفلت أكبر صفقة في تاريخها وفريد طلب مني غداء في بيته يوم الأحد، كنت مصدوم، ليه فجأة بعد 8 سنين؟ يوم الغداء، دخلت فيلته في التجمع،
المكان شيك وهادئ، استقبلتني نادية مراته بابتسامة رقيقة وودودة، دخلت الجنينة وراها، وفريد بيشوي اللحمة والجو كله دافي، قعدنا نتكلم عن الشغل والسوق وفجأة سمعت صوت جري وجوه البيت، ولد صغير خرج يجرى على الجنينة وهو بيصرخ "بابا!"، فريد ابتسم وقال "تعال يا سليم"، الولد وقف قدامي، وفي اللحظة دي قلبي وقف، الدنيا لفت بيا، الأكسجين هرب من صدري، الولد اللي واقف قدامي كان نسخة كربون من ابني زياد، نفس رسمة العين، نفس المناخير، نفس الضحكة، حتى الغمازة الصغيرة في خده الشمال، إيدي بدأت تترعش والطبق اللي في إيدي وقع على الأرض، ركبي مكنتش شايلاني، وقعت وأنا مبرق للولد وبص لفريد بذهول، مش فاهم إزاي؟ إزاي ابن فريد يبقى نسخة كربون من ابني، فريد فضل يبص لي فترة طويلة، الهدوء كان مرعب، حط الكوباية من إيده على التربيزة وقال جملة خلت التلج يجري في عروقي "يا ياسر.. أظن جه الوقت اللي تعرف فيه الحقيقة.. الحقيقة اللي حصلت من 7 سنين في مستشفى الولادة"، كنت واقف وقلبي بيدق جامد
وأنا بأسمع كلماته وكأني داخل على عالم تاني، فريد بدأ يحكيلي كل حاجة من البداية، لما كنت أنا وزياد في مستشفى الولادة، حصل خلط رهيب بين ولاد يومها، خطأ إداري من الممرضين سبب في تبديل الأطفال، وهو كان يعلم بالموضوع من يومها لكن كان مضطر يحافظ على سر عائلته، كل اللي كان بيعمله على مر السنين إنه كان بيتابع ابن ابني عن بعد، عشان لو حصل أي حاجة أقدر أصحح الموقف، وكنت أنا طول الوقت بعيد عن الحقيقة، بدون ما أعرف، ولما نادية شافتني منهار وقعت في حالة صدمة، وفريد ركض عليا وقال "يا ياسر.. متقلقش، كله هيتظبط، ابني الحقيقي هنا، وإنت هتلاقيه"، رجعت البيت وأنا قلبي بيندمج بين الصدمة والفرحة، أول ما شفت زياد، ابني الحقيقي، والولد اللي قدامي، سليم، كنت مش قادر أصدق عيني، كنت الاثنين مع بعض والدموع في عيني مش بتخلص، حسيت إن الدنيا كلها رجعتلي، كل التعب والسنين اللي فاتت، جريت على المستشفى، أخدت كل الأوراق، كل الإثباتات، وبدأت رحلة لم شمل عائلتي، التقيت بالممرضين
والمديرين السابقين، وحلينا الموضوع رسميًا، كل شيء بدأ يتضح، فريد كان واقف جنبي طول الوقت، نادية ساعدتني ووقفت معانا، وفي يوم كنت قاعد مع زياد وسليم في الجنينة، حسيت بالسعادة الحقيقية لأول مرة من سنين، الأولاد بيتعرفوا على بعض، وبقوا يلعبوا مع بعض كأنهم إخوات حقيقيين، وكل لحظة كانت مليانة ضحك وحب، لما رجعت البيت ببص في وش ابني زياد، حسيت بالسلام اللي ما حسيتوش من زمان، الدنيا كانت مليانة أمل وحياة تانية، وكل شيء اتصلح، ومن يومها وأنا وفريد بقينا أصدقاء وعيلة واحدة، تعلمت درس مهم، مهما الدنيا خانتك ومهما السنين فاتت، الحقيقة دايمًا بتظهر، والحب والعيلة هما اللي بيصلحوا كل حاجة، وبقينا كلنا، أنا، زياد، سليم، فريد، ونادية، عيلة واحدة، مليانة حب وسلام، وده كان أكبر درس في حياتي، إن الصبر والوفاء بيكافئوا في الآخر، وإن أي سر مهما طال هينكشف، والقدر ممكن يرجعلك اللي انت ضيعتو بطريقة ما كنتش متخيلها، وفي كل مرة بشوف الولاد مع بعض وبسمع ضحكتهم، بحس إن كل