التعب سنين فاتت ما كانش ضايع، الدنيا اتظبطت، والسعادة بقت جزء من حياتنا من جديد.
بعد اللحظة اللي شفت فيها زياد وسليم، وقعت على الكنبة في بيت فريد وأنا مش مصدق اللي حصل، كل حاجة حواليّا بدت غريبة، الجنينة، أصوات الأولاد، ابتسامة نادية، حتى ريحة اللحمة اللي كانت بتتشوى، كل حاجة كانت حية ومليانة معنى جديد، فريد قعد جنبي وقال بصوت هادي "ياسر.. اعرف إن ده صعب عليك، بس الحقيقة كانت لازم تظهر، وده كان صح لكل الأطراف"، حسيت قلبي بيتقطع بين الألم والارتباك، مش قادر أصدق إن حياتي كلها اتبدلت في ثواني، وأنا بحاول أستوعب إن الولد اللي قدامي سليم مش ابني، وإن ابني زياد موجود فعليًا في مكان تاني في نفس البيت، مش بعيد عني، وحسيت بامتنان عميق لفريد لأنه اختار الوقت الصح عشان يكشف السر، نادية جت وقعدت قدامي، ماسكة إيدي وقالت "يا ياسر.. أنا فاهمة كل حاجة، وده مش غلطك، الغلط كان من الناس اللي في المستشفى"، حسيت بالدعم لأول مرة من حد بالغ،
وبصراحة، دموعي فضلت تنزل بعدها ركضت على الجنينة عشان أقابل الولاد، الأولاد كانوا بيلعبوا، زياد بدأ يضحك لما شافني، وسليم وقف مذهول، مش فاهم إيه اللي بيحصل، رحت لعنده زياد، وبعدين بصيت لسليم وقلتله "إنت هتفضل معانا دلوقتي، بس كل حاجة هتتظبط"، فريد ابتسم وقال "خليك هادي.. الأولاد محتاجين وقت عشان يستوعبوا"، وأنا حسيت بالمسؤولية الكبيرة، كنت لازم أكون الأب اللي يحمي مشاعره، وأثبت له إن الدنيا لسه بخير، قعدنا كلنا في الجنينة، أولادنا بيتعرفوا على بعض، وكان في حوار صامت بينهم، كل حركة منهم كانت مليانة فضول، سليم حاول يقرب من زياد، زياد استجاب ببطء، حسيت بالراحة شوية، لكن الصدمة كانت لسه موجودة، رجعت البيت بعد الغداء، جلست مع زياد وبصيت في وشه وقلتله "حبيبي، أنا موجود دلوقتي، ومش هسيبك تاني"، حسيت إنه فهم، عينيه لمعت، وابتسم ابتسامة طفولية نقية، بعدها بدأت رحلة ترتيب أوراق المستشفى والمستندات، اتصلت بالممرضين والمديرين
المسؤولين، كل شيء كان محتاج إثبات رسمي عشان نرجع الحقوق، وكل يوم كنت بشوف فريد ونادية، بيحكولي إزاي كانوا بيتابعوا الموضوع سرًا، وكانوا بيحاولوا يحافظوا على راحة كل الأطفال، حسيت بالامتنان ليهم، الأيام عدت، الأولاد بدأوا يتعودوا على بعض، يلعبوا مع بعض، ويضحكوا معانا في البيت، وكنت أشاركهم كل لحظة، كل لعب، كل قصة صغيرة من حياتهم، كل يوم كان درس في الصبر والحب والعيلة، واللي كان غريب إن سليم بدأ ينادي عليا "بابا"، وده خلاني أبكي من الفرحة، ولما رجعت أوي للبيت في الليل، وقفت على الشرفة، وبصيت للنجوم وقلت لنفسي "الحياة علمتني إن مهما الدنيا ظلمتك، الحب الحقيقي والصبر بيكافئوك في الآخر"، وفي يوم من الأيام، قررت أصور كل اللحظات دي، كل ضحكة، كل لحظة لعب، وكل احتضان، عشان الأولاد يعرفوا يومًا إن السنين الصعبة دي كانت مليانة دروس وحب، وفريد ونادية بقوا جزء من حياتنا اليومية، نخرج سوا، نضحك سوا، الأولاد بيتعلموا يتعاونوا ويشاركوا، والبيت
بقى مليان حياة وسعادة، كنت كل يوم بحس بالسلام اللي ما حسيتوش من زمان، وبقيت قادر أواجه كل تحدي جديد وأنا واثق إن العيلة والحب قادرين يصلحوا أي غلط، ومع الوقت، حسيت إني مش بس لاقيت ابني، لكن اكتسبت عيلة كاملة، تعلمت قيمة الصبر، قيمة الحقيقة، وقيمة العيشة مع الناس اللي بتحبك بصدق، وده خلى قلبي مليان بالطمأنينة لأول مرة من سنين، ودي كانت لحظة فارقة في حياتي، اللحظة اللي فهمت فيها إن كل ألم سنين فاتت مش راح، وكل دمعة اتسابت كانت مجرد تحضير للسعادة اللي جاية، ومن ساعتها، كل يوم بعيشه مع زياد وسليم ومع فريد ونادية، بيتحول لمغامرة جديدة مليانة حب، ضحك، وتفاهم، وكل لحظة فيها درس جديد عن الحياة، وعن قيمة العيلة اللي بجد، وبقيت مؤمن إن أي سر مهما طال، الحقيقة دايمًا هتظهر في الوقت الصح، وإن الحب الحقيقي والصبر قادرين يصلحوا كل حاجة، والضحكة اللي بنشوفها من الأولاد دلوقتي، كل ضحكة منهم بتثبتلي إن كل حاجة كانت تستاهل، وإن الدنيا لسه بخير.