قصة ل نور محمد

لمحة نيوز

كل حاجة بقت ناقصة وأنا بقيت نسخة تانية من نفسي، واحدة بتتحرك وتشتغل وتتكلم بس روحها سايبة جزء كبير منها وراها.
رجعت الشغل تاني بعد غياب طويل، والكل كان بيبصلي بنظرات شفقة مكتومة، بس أنا كنت عاملة نفسي قوية. دخلت مكتبي نفس المكان اللي كان بيقف فيه قدامي بكل ثقة، نفس الركنة اللي كان بيسيب عليها الوردة كل يوم. فتحت الدرج لقيت وردة ناشفة، شكلها بقالها شهور، بس ريحتها لسه موجودة زي أثره بالظبط.
قعدت على الكرسي، حطيت إيدي على المكتب، وغصب عني همست اتأخرت النهارده يا أستاذ يحيى الحسابات مش جاهزة.
وسكت كأني مستنية رده.
وفجأة دموعي نزلت، بس المرة دي مكانتش نفس الدموع القديمة كان فيها حنين أكتر من وجع.
الأيام بدأت تتحرك ببطء بس اتحركت. بقيت أنزل الشغل، أرجع البيت، أزور ماما يحيى كل أسبوع تقريبًا اللي بقت تعتبرني بنتها فعلاً. كنا نقعد سوا نحكي عنه، نضحك على مواقفه، ونعيط شوية، بس كنا بنسند بعض.
وفي يوم وأنا قاعدة معاها، حسيت بدوخة غريبة.

مامت يحيى مالك يا ليلى؟ وشك أصفر كده ليه؟
ليلى معرفش يمكن تعبانة شوية.
أصرت توديني للدكتور وأنا كنت فاكرة إنها حاجة بسيطة.
لكن لما الدكتور بص في التحاليل وابتسم ابتسامة خفيفة، قلبي دق بسرعة.
الدكتور مبروك يا مدام ليلى أنتي حامل.
الكلمة نزلت عليا زي الصدمة بس مش صدمة وجع صدمة فرح وخوف في نفس اللحظة.
ليلى بصوت مهزوز حامل؟
الدكتور أيوة في أول الشهور.
خرجت من عنده وأنا مش حاسة بالأرض تحت رجلي دموعي نازلة، بس وأنا بضحك.
رجعت البيت قفلت الباب ورايا، وسندت عليه، وحطيت إيدي على بطني.
ليلى بهمس سمعت؟ إنت مرجعتش لوحدك سيبتلي حتة منك.
في اللحظة دي حسيت إنه معايا أقرب من أي وقت فات.
عدّت شهور الحمل، وكل يوم كنت بحكي له بحكي ليحيى عن كل حاجة، عن تعب اليوم، عن خوفي، عن شوقي ليه، وعن الطفل اللي بيكبر جوايا اللي بقيت حاسة إنه هو.
كنت بفتح الرسالة كل شوية أقرأها، وأحضنها وأبتسم.
لو ربنا رزقك بطفل سميه ياسين
كنت كل مرة أقول حاضر يا يحيى وعد.

وفي ليلة شتا هادية بدأت آلام الولادة.
المستشفى، دكاترة، صريخ، تعب بس وسط كل ده، كنت شايفة وشه قدامي كأنه واقف بيقول لي إنتي قوية متخافيش.
وبعد ساعات طويلة سمعت صوت عياط طفل.
الدكتور مبروك ولد.
حضنته وبكيت.
ليلى أهلاً بيك يا ياسين.
الاسم خرج من قلبي قبل لساني.
كبر ياسين وكان شبهه بطريقة تخض نفس الابتسامة، نفس اللمعة في العين، نفس الشقاوة اللي فيها طيبة غريبة. أول مرة نطق، قال ماما وبعدها بكام يوم، بص للصورة اللي معلّقاها ليحيى، وقال بابا.
وقتها قلبي دق بطريقة مختلفة.
قعدت جنبه، وقلت له أيوة ده بابا بابا اللي بيحبنا أوي.
كنت بحكي له عنه دايمًا عن جنانه، عن جملته الشهيرة هتجوزك، عن الوردة، عن لولى. وياسين كان بيضحك، وكأنه فاهم وكأنه حافظ الحكاية من قبل ما يسمعها.
عدّت سنين وأنا بقيت أقوى. مش عشان نسيت لكن عشان اتعلمت أعيش بيه جوايا، مش بدونه. الشركة كبرت، حياتي استقرت، وياسين بقى سبب لكل نفس باخده.
وفي يوم وأنا بظبط ورق قديم
في الشركة، لقيت ظرف صغير، مكتوب عليه بخط إيده لولى لما تبقي قوية كفاية.
قلبي دق فتحته بإيد بتترعش.
لولى أنا عارف إنك هتعيشي ويمكن كمان تبقي أقوى مني. بس في حاجة مخبيها عنك أنا كنت عارف بمرض قلبي من وأنا صغير، وعشان كده عمري ما قربت منك بعد ما سافرنا كنت خايف أرجعلك وأتعلق بيكي وبعدين أسيبك. بس لما عرفت إن الوقت بيخلص مقدرتش أقاوم رجعت أخد حقي في حبك، حتى لو كان قصير. سامحيني إني دخلت حياتك وقلبتها بس أوعدك، أنا كنت بحبك من وإحنا أطفال ولسه.
الرسالة وقعت من إيدي ودموعي نزلت.
ليلى بابتسامة وسط الدموع مجنون حتى في الغياب بتفاجئني.
بصيت للصورة اللي على المكتب وقلت بهدوء أنا مسامحاك وبحبك وهفضل.
في اللحظة دي ياسين دخل يجري.
ياسين ماما! بصي أنا رسمت إيه!
بصيت للرسم لقيته راسم تلاتة أنا، وهو ورجل كبير واقف جنبنا.
ليلى ده مين؟
ياسين ببراءة ده بابا هو مش باين للناس بس أنا شايفه.
اتجمدت لحظة وبعدين حضنته بقوة.
ابتسمت وغمضت عيني.
يمكن
فعلاً هو لسه هنا.
مش بس في قلبي
لكن في حياتي كلها.

تم نسخ الرابط