طردوني من فرحي
بعد ما خرجت أنا وإبراهيم، ركبت العربية وأنا لسه مش مستوعبة كل اللي حصل. كنت حاسة إني خرجت من فيلم… مش من يوم فرحي. سكت شوية وهو سايق، وأنا ببص من الشباك، الشوارع بتهرب قدامي وأنا عقلي واقف عند لحظة واحدة… لحظة الميكروفون… لما اتقال قدام الناس كلها إني "مش من مقامهم".
فجأة سألته بصوت مكسور: "إنت ليه مخبي كل ده عني؟"
إبراهيم سكت لحظة… وبعدين قال بهدوء: "عشان كنت عايز أبني نفسي لوحدي… من غير ما حد يقول إن ده عشان أبويا أو عيلتي… أو حتى عشانك."
بصيت له باستغراب: "بس إحنا أصلاً مكنش عندنا حاجة!"
ابتسم ابتسامة خفيفة: "وده اللي خلى عندي دافع أكبر… أنا بدأت من تحت الصفر يا أمارة… اشتغلت في كل حاجة… سافرت… خسرت وكسبت… بس عمري ما نسيت يوم ما طلعونا من البيت عشان الإيجار… ولا يوم ما إنتي بعتي دهبك عشان نعرف نكمل."
سكت… وبعدين بص لي: "كنت مستني اللحظة اللي أرجع فيها… وأنا
دموعي نزلت تاني… بس المرة دي مش ضعف… كانت حاجة شبه الراحة… لأول مرة أحس إن في حد شايل همي بجد.
عدت أيام… وأنا قاعدة في البيت… رافضة أخرج… رافضة أقابل حد… حتى صور الفرح مسحتها… الفستان اتحط في الدولاب كأنه ذكرى وجع.
بس إبراهيم مكنش سايبني أغرق.
في يوم دخل عليا وقال: "قومي البسي."
بصيت له باستغراب: "ليه؟"
قال: "عندي مشوار مهم… وإنتي معايا."
لبست وأنا مش فاهمة… وركبنا العربية… لحد ما وقفنا قدام مكان كبير… لسه بيتشطب.
سألته: "إيه ده؟"
قال وهو بيديني المفاتيح: "ده بتاعك."
اتصدمت: "بتاعي إزاي؟!"
قال بابتسامة: "كافيه… زي اللي كنتي بتحلمي بيه… بس أكبر… وأحلى… وباسمك."
إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك المفتاح… دخلت المكان… شمّيت ريحة الدهان… وشفت الطاولات لسه متغطية… بس في خيالي شفت الزباين… والضحك… وصوت الكوبيات.
لفيت له وقلت: "أنا مش عارفة أبدأ منين…"
قال بثقة: "من نفسك… زي ما دايماً."
وبالفعل… بدأت.
اشتغلت بإيدي… وقفت على رجلي ساعات طويلة… اخترت كل تفصيلة… من لون الحيطان… لطعم القهوة… للمزيكا اللي هتشتغل.
وسمّيته "أمارة".
في الأول الناس كانت بتيجي بدافع الفضول… "دي البنت اللي اتهانت في فرحها"… بس بعد كده… بقوا بيرجعوا عشان المكان نفسه.
عشان الدفا… عشان الصدق… عشان الراحة اللي فيه.
وبقيت أنا… مش مجرد بنت غلبانة… بقيت صاحبة مكان… وصاحبة قرار.
بس الدنيا… مبتسيبش حد في حاله.
في يوم… وأنا واقفة ورا الكاونتر… سمعت صوت مألوف:
"قهوة سادة… لو سمحتي."
اتجمدت.
رفعت عيني… لقيته.
شريف.
واقف قدامي… شكله متغير… عيونه فيها تعب… مش نفس الثقة… ولا نفس البريق.
سكتنا لحظة… وبعدين قلت ببرود: "تؤمر بحاجة تانية؟"
قال بهدوء: "عايز أتكلم معاكي."
بصيت للموظفة وقلت: "خدي مكاني شوية."
قعدنا على ترابيزة في ركن بعيد.
قال:
كنت سامعة… بس قلبي كان هادي بشكل غريب.
سألته: "ولو رجع بيك الزمن… كنت هتعمل إيه؟"
سكت… وبعدين قال: "كنت همسك إيدك وأمشي… حتى لو خسرت كل حاجة."
ابتسمت ابتسامة خفيفة… فيها وجع قديم: "بس الزمن مرجعش يا شريف."
قمت وقفت… وقلت: "أنا اتكسرت مرة… بس اتعلمت أقف لوحدي… ومش هرجع لنقطة ضعفي تاني."
سابته ومشيت… وأنا حاسة بثقل بيخف من على قلبي.
ومن بعيد… شفته قاعد لوحده… لأول مرة… زي ما سابني.
مرت سنة…
الكافيه بقى علامة… والناس بتيجي من كل حتة.
إبراهيم كبر أكتر في شغله… وبقى اسم تقيل فعلاً.
وفي يوم… وقف قدامي وقال: "في حد عايز يتقدم لك."
ضحكت: "بالسرعة دي؟"
قال وهو بيبتسم: "المرة دي… أنا اللي مختاره."
بصيت له باستغراب: "مين؟"
قال: "واحد شافك بتنجحي… مش بتتكسري."
وساعتها
إن اللي فات… مكانش نهاية قصة حب…
كان بداية قصة كرامة.
وأنا؟
اخترت المرة دي…
أكون أنا البطلة… مش الضحية.