كرامة زوجتي
السكوت اللي نزل على الصالة بعد كلمتي كان تقيل لدرجة حسيت إن الهوا نفسه وقف… عيني كانت على أمي، مستني ردها، مستني أي حاجة تكسر اللحظة دي… بس اللي حصل كان أبعد بكتير عن أي توقع.
أمي حطت كباية الشاي من إيدها على الترابيزة ببطء، وبصتلي نظرة أنا عمري ما شوفتها قبل كده… نظرة فيها صدمة، وفيها كرامة مجروحة، وفيها حاجة تانية أنا مكنتش فاهمها ساعتها.
قالت بصوت هادي بس حاد: — “إنت بترفع صوتك علينا يا دياب؟ عشان واحدة ست؟”
الكلمة خبطتني، بس المرة دي ما سكتش.
قلت وأنا واقف مكاني: — “مش واحدة ست… دي مراتي… ودي أم ابني.”
أختي الكبيرة “هناء” قامت واقفة بعصبية: — “إيه اللي انت بتقوله ده؟ إحنا بنخدم نفسنا، وهي مراتك يعني مش مننا؟ ولا بقت هانم علينا؟”
بصيتلها وقلت: — “لا… هي مننا… بس مش خدامة عندنا.”
التانية ضحكت بسخرية: — “يا سلام! افتكرت ده كله دلوقتي؟ ما هي من أول يوم بتعمل كده ومكنتش بتشتكي!”
ساعتها قلبي وجعني أكتر… لأنهم عندهم حق في حتة واحدة… أنا فعلاً كنت سايب ده يحصل.
قلت بهدوء بس المرة دي بنبرة أقوى: — “كانت بتسكت… مش عشان ده صح… عشان هي محترمة… وأنا اللي كنت غلطان إني سكت.”
أمي قامت ببطء… قربت مني خطوة… وقالت: — “يعني إحنا بقينا بنظلمها؟”
بلعت ريقي وقلت: — “أيوه… ظلمناها…
في اللحظة دي… باب المطبخ اتفتح ببطء… وكلنا بصينا.
ليلى كانت واقفة… وشها شاحب، وإيديها لسه مبلولة… واضح إنها سمعت كل كلمة.
بصتلنا كلنا… وبعدين بصتلي… نظرة فيها خوف… مش مني… من اللي ممكن يحصل.
قالت بصوت واطي: — “خلاص يا جماعة… مفيش مشكلة… أنا خلصت المواعين…”
أنا حسيت إن قلبي بيتعصر… الست دي حتى وهي متوجعة… بتحاول تهدي الدنيا.
مشيت ناحيتها بسرعة… ومسكت إيدها قدام الكل… أول مرة أعمل كده بالشكل ده.
وقلت: — “إنتي مش هتعملي حاجة تاني لوحدك… لا النهاردة ولا بعد كده.”
إخواتي بصوا لبعض… الجو بدأ يسخن.
أختي التالتة قالت بعصبية: — “طيب وإحنا؟ هنقعد نخدم؟!”
رديت عليها من غير ما أرفع صوتي: — “لا… كلنا نخدم نفسنا… زي أي بيت طبيعي.”
أمي سكتت شوية… وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة: — “يبقى أنا ماليش كلمة هنا خلاص.”
الجملة دي كانت تقيلة… لأنها أول مرة أمي تحس إنها فقدت السيطرة.
قربتلها… وقلت بهدوء: — “لا يا أمي… ليكي كلمة… بس مش على حساب راحة مراتي… ولا كرامتها.”
فضلت باصة لي ثواني طويلة… وأنا مستني حكمها.
وفجأة… حصل اللي محدش فينا كان متوقعه.
أمي لفت وشها ناحية المطبخ… وبصت على الحوض اللي مليان مواعين… وبعدين قالت:
— “سيبي يا ليلى… أنا هكمل.”
الصالة
ليلى اتلخبطت وقالت بسرعة: — “لا يا ماما… ماينفعش—”
أمي قاطعتها: — “قولت سيبي.”
ودخلت المطبخ فعلاً… وفتحت المية… وبدأت تغسل.
إخواتي كانوا واقفين مش فاهمين… كأن الأرض اتحركت من تحتهم.
أختي الكبيرة قالت: — “ماما! إنتي بتعملي إيه؟!”
ردت من جوه المطبخ من غير ما تبص: — “اللي المفروض كنا كلنا نعمله من زمان.”
اللحظة دي غيرت كل حاجة.
أنا بصيت لليلى… لقيت عينيها مليانة دموع… بس مش دموع زعل… دي كانت دموع ارتياح… أول مرة تحس إنها مش لوحدها.
مسكت إيدها أكتر… وقلت لها بهمس: — “آسف.”
هزت راسها وقالت: — “خلاص…”
بس أنا عارف إن “خلاص” دي كان وراها تعب شهور… يمكن سنين.
إخواتي واحدة واحدة قعدوا… محدش فيهم اتكلم… بس كان واضح إن في حاجة اتكسرت… مش كسر وحش… كسر غرور… كسر عادة غلط.
بعد شوية… أختي التانية قامت وسكتت ودخلت المطبخ تساعد أمي… من غير ما تقول كلمة.
وبعدين التالتة لحقتهم.
الصالة فضيت… وأنا وليلى واقفين لوحدنا.
قلت لها: — “من النهاردة… مفيش حاجة هتتساب عليكِ لوحدك… ولا كلمة هتتقال وتسكتي عليها.”
بصتلي وقالت بهدوء: — “وأنت… هتفضل كده؟”
ابتسمت رغم وجعي وقلت: — “المفروض كنت أبقى كده من زمان.”
عدت الأيام بعد الليلة دي… مش كل حاجة بقت مثالية… بس
إخواتي بقوا يساعدوا… حتى لو في الأول كان غصب عنهم… بس مع الوقت بقى طبيعي.
أمي… رجعت تبقى هي الكبيرة… بس الكبيرة العادلة… مش اللي كل حاجة تمشي بكلمتها وخلاص.
أما ليلى…
رجعت تضحك… ترجع تاكل كويس… ترجع تنام مرتاحة… وبطنها كبرت أكتر… ومعاها كبر إحساسي إني لازم أحميها… مش من الناس… من نفسي القديمة.
وفي يوم… الساعة كانت برضه بالليل… بس المرة دي…
كنت أنا اللي واقف في المطبخ… بغسل المواعين… وليلى قاعدة على الكرسي ورايا بتضحك.
قالت لي: — “مين شافك وانت كده وصدق؟”
بصيت لها وقلت: — “واحد اتأخر… بس فاق في الوقت الصح.”
حطت إيدها على بطنها… وقالت: — “المهم ابنك لما ييجي… يشوفك كده على طول.”
بصيت لإيدها… وبعدين ليها… وقلت:
— “هيشوف أحسن من كده كمان… هيشوف بيت فيه ست متتشالش… تتشال على الراس.”
وفي اللحظة دي… حسيت إن الندم اللي كان جوايا… بدأ يتحول لحاجة تانية…
حاجة شبه… بداية جديدة.
بعد الليلة دي، الحياة ما رجعتش زي ما كانت… بس كمان ما بقتش مثالية فجأة زي ما كنت أتمنى. التغيير الحقيقي دايمًا بييجي ببطء، وبيمشي على أطرافه كأنه خايف يتكسر لو جري.
أول كام يوم، كان في هدوء غريب في البيت… مش الهدوء المريح، لأ… ده هدوء مترقب. كل واحد فينا بيبص للتاني ويحسب