كرامة زوجتي
أما أمي… فكانت أكتر واحدة متغيرة، بس بطريقتها. بطلت التعليقات اللي فيها لسع، بس لسه جواها حاجة بتشدها إنها “هي الصح”. وده كنت فاهمه… دي ست شالت بيت لوحدها سنين، وفجأة ابنها بيقول لها “استني”.
ليلى بدأت ترتاح شوية… بس التعب اللي اتراكم فيها ما بيروحش بسهولة. جسمها كان تقيل، ونفسها كان بيتقطع من أقل مجهود. بقيت أنا اللي أصحى بدري أجهز الفطار، وأخلص اللي أقدر عليه قبل ما أنزل الشغل.
في يوم، وأنا بلبس عشان أنزل، لقيتها قاعدة على السرير ساكتة… مش بتعمل حاجة، بس باصة في الأرض.
قلت لها: — “مالك؟ تعبانة؟”
هزت راسها وقالت: — “أنا خايفة…”
قعدت جنبها وسألت: — “من إيه؟”
بصتلي وقالت: — “من كل حاجة… من الولادة… من إني أبقى أم… ومن إن كل حاجة ترجع زي الأول بعد ما أنا أتعب.”
الكلام ده وجعني… لأنها مش خايفة من الألم… هي خايفة من الوحدة.
مسكت إيدها وقلت: — “مش هترجعي لوحدك تاني… أنا وعد.”
بصتلي شوية… كأنها بتقيس صدقي… وبعدين قالت: — “أنا مصدقاك… بس نفسي أشوفه.”
ابتسمت وقلت: — “هتشوفيه… في كل حاجة هعملها.”
ومن اليوم ده… بدأت أتعمد
رجعت من الشغل بدري يوم… دخلت المطبخ… طبخت بإيدي حاجة بسيطة (حتى لو كانت مش أحسن حاجة)، ونضفت… وسبت لها البيت هادي.
لما خرجت من الأوضة وشافت… وقفت في نص الصالة وقالت: — “إنت عملت ده كله؟”
قلت لها وأنا بضحك: — “على فكرة أنا جامد… بس محدش كان ملاحظ.”
ضحكت… ضحكة طالعة من قلبها بجد… ودي كانت أول مرة من شهور أحس إنها خفيفة.
بس الحياة دايمًا بتحب تختبرك…
بعد أسبوع تقريبًا، أمي نادتني وأنا خارج: — “دياب… عايزاك.”
دخلت لها… كانت قاعدة لوحدها.
قالت بهدوء: — “إنت متغير أوي.”
قلت: — “يمكن عشان اتأخرت أوي.”
سكتت شوية… وبعدين قالت: — “أنا مش زعلانة منك… أنا زعلانة من نفسي.”
الكلام ده صدمني.
كملت: — “أنا كنت فاكرة إني لما أضغط عليها… أخليها تبقى أقوى… زيي… بس نسيت إنها مش أنا… وإن الزمن اتغير.”
قعدت جنبها وقلت: — “إنتي عمرك ما كنتي وحشة يا أمي… بس كنا محتاجين نفوق.”
بصتلي وقالت: — “خلي بالك منها… البنت دي بتحبك بجد.”
ابتسمت وقلت: — “عارف… وعشان كده مش هضيعها.”
من اليوم ده… أمي بقت أقرب لليلى… مش بس
وإخواتي؟
في الأول كانوا بيحاولوا… بعدين بقوا يتعودوا… وبعدين بقى الموضوع طبيعي. بقوا لما يجوا، كل واحدة تدخل المطبخ من نفسها، من غير ما حد يقول.
وفي يوم… حصلت اللحظة اللي غيرت كل حاجة تاني…
كنت في الشغل… والتليفون رن.
رقم ليلى.
رديت بسرعة: — “أيوه يا ليلى؟”
بس اللي سمعته كان صوتها متقطع: — “دياب… أنا… تعبانة أوي…”
قلبي وقع.
— “إيه اللي حصل؟!”
— “بطني… الوجع زاد…”
جريت من غير ما أفكر… الطريق كان زحمة، بس مش شايف غير صورة واحدة… هي… وهي لوحدها.
وصلت البيت… لقيتها قاعدة على الكنبة، ماسكة بطنها ووشها شاحب.
أمي كانت جنبها… وإخواتي حواليها.
أمي قالت بسرعة: — “شكلها ولادة… لازم نلحق.”
شلتها بإيدي… أول مرة أحس إنها خفيفة بالشكل ده… مع إنها في الحقيقة كانت شايلة كل حياتي جواها.
في العربية… كانت ماسكة إيدي جامد… وبتبصلي.
قالت بصوت ضعيف: — “خليك جنبي…”
قلت لها: — “أنا هنا… ومش همشي.”
وصلنا المستشفى… دخلت العمليات… وأنا واقف برة…
الوقت كان بيمشي تقيل… أمي قاعدة جنبي… ساكتة… بس ماسكة سبحتها وبتدعي.
بصتلها… لقيت في عينيها نفس الخوف اللي جوايا.
بعد وقت طويل… باب الأوضة اتفتح… والدكتور خرج بابتسامة.
قال: — “مبروك… جالك ولد زي القمر.”
الدنيا وقفت ثانية… وبعدين رجعت تدور.
دخلت شفتها… ليلى كانت تعبانة… بس بتبتسم.
وفي حضنها… ابني.
قربت… وبصيت له… ملامحه صغيرة… بس فيها حاجة مني… وحاجة منها… وحاجة من كل اللي عدينا بيه.
بصتلي ليلى وقالت: — “شايف؟”
قلت وأنا صوتي بيتهز: — “شايف كل حاجة…”
حطيت إيدي على راسه… ووعدت نفسي وعد ما يتكسرش:
إنه عمره ما هيشوف أمه واقفة لوحدها قدام حوض… ولا شايلة هم أكبر منها… ولا مستنية حد يحس بيها.
عدت شهور… والبيت اتغير فعلاً.
بقى في ضحك… في صوت طفل… في دفا.
وفي ليلة… كنت واقف في المطبخ برضه… بغسل المواعين… وابني في الكرسي ورايا بيعيط… وليلى قاعدة بتضحك.
قالت: — “واضح إنه مش عاجبه الشيف.”
لفيت له وقلت: — “استنى لما يكبر ويشوف أنا كنت بعمل إيه.”
قربت ليلى وقالت: — “هو مش محتاج يشوف… هو
بصيت لها… وفهمت…
إن البيت مش بيتبني بالأوامر… ولا بالسكوت…
البيت بيتبني لما كل واحد فينا… يشيل التاني… قبل ما يقع.