جودي والمجنون

لمحة نيوز

أنا اسمي جودي… ويمكن الحكاية اللي هحكيها دي تكون أغرب وأقسى حاجة عدت عليّا في حياتي كلها.

من وأنا صغيرة وأنا بحلم ببيت دافي، جوز يحبني، وطفل أضمه لصدري… حلم بسيط زي أي بنت، بس طلع هو أصعب حلم في الدنيا.

اتجوزت إبراهيم عن حب… راجل مفيش زيه، طيب، حنين، وبيشيلني من على الأرض شيل. عمره ما حسسني بنقص، ولا يوم بص لواحدة غيري، وكنت دايمًا بقول لنفسي: “أنا كسبت الدنيا كلها بيه.”

عدى أول سنة جواز… والتانية… والتالتة… ومفيش حمل.

في الأول كنا بنضحك ونقول “لسه بدري”… بعدين بقينا نقول “إن شاء الله قريب”… بعدين بقينا نسكت.

لفيت على دكاترة كتير، عملت تحاليل، أشعات، أدوية، حقن… كل حاجة. والنتيجة كانت زي السهم اللي بيغرز في قلبي كل مرة:
“إنتي سليمة 100%.”

طيب فين المشكلة؟
مفيش حد عنده إجابة.

إبراهيم كان دايمًا يطبطب عليّا ويقول:
“كفاية عليا إنتي يا جودي… مش عايز حاجة تانية.”

بس المشكلة مش فيه… المشكلة في الناس.

حماتي بدأت تغير… كلامها بقى جارح، نظراتها مليانة اتهام، وكل شوية تلمح وتضغط. وأنا أضحك وأعدي… لحد ما الضحك بقى تقيل، وبقى وجع.

نقلنا لحي جديد، وقلت

يمكن بداية جديدة… يمكن ربنا يكتب لنا الخير هنا.

أول يوم نزلت السوق… كنت شايلة أكياس تقيلة، ودماغي مليانة هموم… وفجأة سمعت صوت بينده باسمي:
“يا جودي…”

اتجمدت.

اتلفت… ملقتش حد أعرفه. وبعدين شوفته.

راجل شكله مرعب… هدومه مقطعة، دقنه طويلة، عينه فيها لمعة غريبة، وقاعد وسط خردة وزبالة.

بصلي… وابتسم ابتسامة خلت جسمي كله يقشعر.

وقال:
“لو شربتي من بركتي ساعة الفجر… ربنا هيرزقك بتلاتة توائم زي الفل.”

اتصدمت… ومشيت بسرعة وأنا بقول في سري: “ده مجنون.”

بالليل حكيت لإبراهيم… اتعصب جدًا وقال:
“إياكي تفكري في الهبل ده… الناس دي خطر.”

وعديته من دماغي… أو على الأقل حاولت.

لكن الغريب… كل مرة أعدي من قدامه، ينادي باسمي… بنفس الثقة… بنفس الجملة.

بدأ الخوف يتسلل جوايا…
هو عرف اسمي منين؟

يمكن حد ندهني؟ يمكن صُدفة؟
كنت بحاول أقنع نفسي… بس قلبي مش مقتنع.

لحد ما اليوم ده جه… اليوم اللي كسرني.

حماتي دخلت عليا البيت وقالت بكل قسوة:
“لو محملتيش قبل آخر الشهر… أنا هجوز ابني واحدة تجيب له عيل… وإنتي اقعدي كدة.”

الكلام نزل عليا زي السكينة.

أول مرة أحس إني ممكن أخسر إبراهيم…

أول مرة أحس إني ضعيفة بجد.

الليلة دي… ما نمتش.

صوت المجذوب فضل يرن في ودني:
“تلاتة توائم…”

كنت بحارب نفسي… جزء جوايا بيصرخ: “ده قرف وجنان!”
وجزء تاني بيهمس: “وإيه لو كان عنده سر؟”

لحد ما الفجر قرب…

لقيت نفسي بلبس طرحة وأخرج من غير ما أصحي إبراهيم.

رجلي كانت بترتعش… وقلبي بيدق بعنف… وكل خطوة كأني رايحة لمصيري.

وصلت السوق… كان فاضي وهادي بشكل مرعب.

وهو… كان قاعد… مستني.

أول ما شافني… ابتسم وقال:
“عارف إنك هتيجي.”

وقتها حسيت برعب حقيقي… مش عادي.

قلت له بصوت مكسور:
“إنت عايز مني إيه؟!”

قال بهدوء غريب:
“عايزة العيال… صح؟”

سكت… ودموعي نزلت.

بعدين فجأة… صوته اتغير. بقى طبيعي… عادي… مش صوت مجنون.

قال:
“ارجعي يا جودي… إنتي مش محتاجة أي حاجة من دي.”

اتصدمت:
“إيه؟!”

بصلي وقال:
“أنا كنت مستني اللحظة دي… أشوف هتختاري إيه… كرامتك ولا ضعفك.”

وقتها الدنيا لفت بيا.

قلت له:
“إنت مين؟!”

سكت شوية… وبعدين قال:
“أنا واحد شافك قبل كدة… يوم ما كنتي في المستشفى… يوم ما الدكتور قالك إنك سليمة.”

اتجمدت.

كمل:
“سمعتك وإنتي بتعيطي… وسمعت جوزك وهو بيواسيكي… وسمعت

كلام حماتك بعد كدة.”

قلبي وقع.

“كنت بشوفك بتيجي السوق… وسألت عن اسمك… وقررت أعمل كدة.”

صرخت:
“ليه؟!”

قال بهدوء:
“عشان أثبتلك إن اليأس ممكن يخلي الإنسان يعمل أي حاجة… حتى لو قذرة ومؤذية.”

وقفت مش قادرة أتكلم.

كمل:
“ولو كنتي عملتيها… كنتي خسرتي نفسك قبل أي حاجة تانية.”

سكت… وبعدين قال جملة عمري ما هنساها:
“اللي ربنا كاتبهولك هيجيلك… مش بالذل ولا بالقرف.”

في اللحظة دي… كأن غشاوة اتشالت من على عيني.

أنا كنت هعمل إيه؟
كنت هضيع نفسي عشان خوف؟ عشان كلام ناس؟

رجعت البيت وأنا بعيط… بس مش ضعف… راحة.

صحيت إبراهيم… وحكيت له كل حاجة.

حضني وقال:
“أنا كنت واثق إنك أقوى من كدة.”

بعدها بأيام… خدني لدكتور تاني… مش عشان يشك فيا… لكن عشان يطمني.

والدكتور ده… هو اللي غير كل حاجة.

طلب تحاليل مختلفة… وإجراءات محدش طلبها قبل كدة.

وبعد أسبوع… قالنا الحقيقة:

المشكلة مش عندي.

المشكلة كانت عند إبراهيم… حاجة بسيطة، لكن محتاجة علاج.

إبراهيم سكت… وبعدين بصلي وهو مكسور.

مسكت إيده وقلت:
“إحنا واحد… مش مهم السبب.”

ابتدى العلاج… وبعد شهور…

حصلت المعجزة.

حملت.

ولما

روحت للدكتور عشان أعمل سونار… بصلي وابتسم وقال:
“مبروك… إنتي حامل في…”

وقف لحظة… وبعدين ضحك:
“ثلاثة.”

دموعي نزلت… وضحكت في نفس الوقت.

افتكرت كلام المجذوب… وقلت في سري:

تم نسخ الرابط