جودي والمجنون

لمحة نيوز


“سبحانك يا رب…”

رجعت السوق أدور عليه…
ملقتهوش.

ولا حد يعرفه… ولا حد شافه قبل كدة.

كأنه… كان مجرد رسالة.

ومن يومها… فهمت درس عمري:

اليأس بيخدعك…
والناس ممكن تكسر فيك…
بس اللي مكتوبلك… هيجيلك… في وقته… وبكرامة.

مرت الشهور ببطء… بس كل يوم كان مختلف. بطني بتكبر، ونبض جوايا بيتضاعف، وإحساس الأمومة اللي كنت فاكرة إنه حلم بعيد بقى حقيقة بتمشي على الأرض.

لكن الحقيقة… السعادة ما كانتش كاملة.

حماتي… أول ما عرفت إني حامل، اتغيرت فجأة. بقت حنينة زيادة عن اللزوم، بتضحك في وشي، وتجيبلي أكل وتهتم بيا قدام الناس. لكن جوايا كنت حاسة إن في حاجة غلط… حاجة مش مريحة.

كل مرة تبص لبطني… كان في عينيها نظرة غريبة، مش حب خالص… كأنها بتبص على “حاجة بتاعتها” مش بتاعتي.

عدى الشهر الرابع… وبان في السونار إنهم فعلًا تلاتة.
الدكتور كان فرحان… وإبراهيم كان طاير من السعادة… وأنا؟
كنت مبسوطة… بس خايفة.

حمل التوأم مش سهل… أمال تلاتة؟

ابتدت تعبي يزيد… دوخة، إرهاق، نوم قليل، وأوقات كتير بحس

إني مش قادرة أشيل نفسي.

وفي يوم… صحيت من النوم على صوت حماتي بتكلم إبراهيم في الصالة.

كنت رايحة أخرج… لكن وقفت لما سمعتها بتقول:
“لازم نتصرف يا إبراهيم… البت مش قد الحمل ده.”

إبراهيم قال بتوتر:
“يعني إيه نتصرف؟!”

ردت بهدوء مرعب:
“نضحي بواحد… أو اتنين… عشان الباقي يعيش.”

قلبي وقف.

رجلي اتجمدت مكاني… ومقدرتش أتحرك.

إبراهيم سكت شوية… وبعدين قال:
“مستحيل… دول عيالي.”

قالت بعصبية:
“وأنا عايزة أشوف حفيدي عايش! مش عايزة أصحى على خبر إنهم كلهم ماتوا!”

رجعت ورا بسرعة قبل ما يشوفوني… وقعدت على السرير ودموعي بتنزل في صمت.

أنا كنت فاكرة إن المعاناة خلصت… لكنها لسه بتبدأ.

من اليوم ده… الخوف بقى ساكن جوايا.
كل وجع… كل حركة… كنت بترجمها إنها خطر.

والأسوأ… إني بدأت أحلم بيه.

المجذوب.

كل ليلة… أشوفه واقف بعيد، بيبصلي بنفس الابتسامة الغامضة، ويقول:
“خلي بالك… التلاتة مش هيكملوا.”

أقوم مفزوعة… وقلبي بيدق بجنون.

كنت بقول لنفسي: “دي هلاوس… ضغط نفسي…”
لكن الإحساس ما كانش بيروح.

وفي يوم… قررت أواجه خوفي.

نزلت السوق… بعد غياب شهور.

المكان كان زي ما هو… بس أنا مش زي ما أنا.

دورت عليه… في كل حتة… سألت ناس كتير.

“في راجل كدة… شكله غريب… بيقعد هنا…”

الرد كان واحد:
“مفيش حد بالمواصفات دي.”

واحدة ست كبيرة بصتلي وقالت:
“إنتي أول واحدة تسألي عليه… هو شكله كان إيه؟”

وصفتهولها… فسكتت شوية… وبعدين قالت:
“يا بنتي… المكان ده كان فيه واحد زي اللي بتقولي عليه… بس مات من سنين.”

الدم جمد في عروقي.

“مات؟!”

هزت راسها:
“أيوه… كان مجنون كدة وبيقعد لوحده… قالوا مات في الشارع ومحدش خد باله.”

رجعت البيت وأنا تايهة…
هو أنا كنت بشوف إيه؟

إنسان؟
ولا… حاجة تانية؟

الأيام عدت… والتعب زاد.

وفي الشهر السابع… حصل اللي ما كنتش مستعدة له.

صحيت على ألم شديد… أقوى من أي حاجة حسيتها قبل كدة.

صرخت… وإبراهيم جري عليا… والدنيا اتقلبت.

المستشفى… دكاترة… جري… صوت أجهزة…

وبعدين… ظلام.

لما فوقت… كنت في أوضة بيضا… هادية… زيادة عن اللزوم.

بصيت حوالي… ملقتش حد.

لمست بطني…

لقيتها فاضية.

صرخت:
“ولادي فين؟!”

الدكتور دخل بسرعة… ووشه مش مريح.

قعد جنبي وقال بهدوء:
“إحنا قدرنا ننقذ اتنين…”

وقفت الدنيا.

“والتالت؟…”

سكت… وبعدين قال:
“للأسف… مقدرناش.”

انهرت.

عيطت بشكل عمري ما عيطته قبل كدة… وجع مش طبيعي… إحساس إن قطعة مني اتاخدت واتكسرت للأبد.

إبراهيم دخل… ودموعه في عينيه… حضني وهو بيقول:
“الحمد لله على الباقي…”

لكن أنا… ما كنتش شايفة غير اللي راح.

عدت أيام… وخرجت من المستشفى ومعايا طفلين… بس قلبي فيه فراغ كبير.

وفي ليلة… وأنا قاعدة لوحدي… الأطفال نايمين جنبي…

سمعت الصوت.

“يا جودي…”

اتجمدت.

بصيت ناحية الشباك…

ولقيته.

واقف… زي ما هو… نفس الابتسامة.

قرب شوية… وقال بهدوء:
“قلتلك… التلاتة مش هيكملوا.”

دموعي نزلت… وقلت بصوت مكسور:
“ليه؟…”

بصلي بنظرة مختلفة المرة دي… فيها حزن غريب… وقال:
“عشان تتعلمي إن مش كل حاجة بناخدها… لازم تكمل.”

سكت… وبعدين قال:
“واللي فضل… نعمة… مش تعويض.”

اختفى.

وأنا فضلت باصة في المكان اللي كان واقف فيه…

ومن

يومها… عمري ما شوفته تاني.

كبروا ولادي… واحد شبه إبراهيم… والتاني واخد مني كل حاجة.

وكل ما أبصلهم… بحمد ربنا.

وأفتكر…

إن أوقات…
اللي بنخسره…
هو اللي بيعلمنا قيمة اللي فاضل.

تم نسخ الرابط