شقا عمري ل نور محمد
سنتين.. سنتين كاملين وأنا بشتغل ورديتين في اليوم، بصحى قبل الشمس ما تشرق، وبرجع بعد ما الدنيا تسود، عيوني حمرا من السهر وإيدي بتترعش من التعب، بس كان جوايا حاجة واحدة بس بتديني قوة أكمل حلم الشقة حلم باب يتقفل عليّا أنا وجوزي من غير تدخل حد، من غير نظرات، من غير كلمة إنتي في بيتنا.
كنت بعدّي الأيام زي العدّاد شهر ورا شهر، جنيه فوق جنيه، ووجع فوق وجع، لحد ما بقينا على بُعد خطوة واحدة بس من الحلم. القسط الأخير آخر ورقة في كتاب التعب.
اليوم ده رجعت من الشغل وأنا مش شايفة قدامي، جسمي تقيل كأني شايلة جبل، بس قلبي كان خفيف كنت ماسكة الظرف اللي فيه آخر مبلغ، حاسة إني شايلة فيه عمري كله، فتحت باب الأوضة بهدوء، وأنا بتخيل شكل الشقة، لون الحيطة، الستارة، حتى مكان السرير.
فتحت الدولاب وقلبي وقع.
العلبة مش موجودة.
في الأول ضحكت قولت يمكن أنا نسيتها في حتة تانية، قلبت الدنيا، فوق تحت، هدوم، درج، شنط، تحت السرير مفيش.
جسمي كله برد فجأة.
في اللحظة دي دخل محمود، عادي
بصيت له وقلت بصوت مهزوز
محمود علبة الفلوس فين؟
ولا حتى رفع عينه، قال بهدوء مستفز
آه أخدتها.
الكلمة نزلت عليّا زي الطوبة.
أخدتها؟ أخدتها فين؟!
رفع عينه أخيراً وقال
أديتها لأمي.
ساعتها حسيت إن قلبي اتشل.
أديت شقى سنتين لأمك؟! ليه؟!
اتنهد بضيق وقال
أختي كانت هتتفضح العريس مستني الأجهزة وأمي استلفتهم.
استلفتهم؟! من غير ما أعرف؟! من غير ما حتى يحسسني إني بني آدمة ليها حق؟!
كنت بتكلم وأنا بترعش، مش عارفة ده غضب ولا انهيار
إنت سرقت تعبي! ده مش فلوس ده عمري!
هو اتعصب كأني أنا الغلطانة
إيه الدراما دي؟ هنرجعهم اصبري!
اصبري؟! سنتين وأنا بصبر على الإهانة، على الضغط، على النوم القليل، على كلمة إنتي في بيتنا ولما أجي أخد حقي تقولي اصبري؟!
وقبل ما أتكلم الباب اتفتح.
دخلت حماتي، واقفة بكل ثقة، كأنها صاحبة الحق.
في إيه؟ صوتكم عالي ليه؟
بصيت لها والدموع مغرقة وشي
فلوسي يا طنط ليه تاخدوها كده؟!
ضحكت بسخرية وقالت
فلوس إيه؟ إنتي وجوزك
الكلمة دي في بيتي كانت دايماً بتتقال كأنها سوط.
قولت بصوت مكسور
أنا بدفع أنا اللي بصرف على نفسي أنا تعبت عشان الشقة
قالت ببرود قاتل
الفلوس راحت ولو مش عاجبك الباب يفوّت جمل.
لفّيت أبص لمحمود كنت مستنياه يقف يقول كلمة يدافع عني أي حاجة.
بس هو لف وشه.
في اللحظة دي حاجة جوايا اتكسرت للأبد.
مش بس الفلوس اللي راحت لا الأمان، الثقة، الحب كل حاجة.
رجعت لورا خطوة حسيت بدوخة قلبي بيدق بسرعة غريبة نفسي بيتقطع حاولت أتكلم أنادي أقول الحقوني
بس صوتي خانني.
آخر حاجة شفتها وشوشهم باردة مفيهاش ذرة خوف عليّا.
وبعدها سواد.
فتحت عيني على نور أبيض قوي صوت أجهزة وريحت مستشفى.
حمد لله على السلامة.
كان صوت غريب دكتور.
حاولت أتكلم صوتي طلع ضعيف
أنا فين؟
إنتي في المستشفى جالك إغماء بسبب إجهاد شديد وانهيار عصبي.
لفّيت عيني أدور عليهم محمود؟ حماتي؟ حد من أهلي؟
مفيش.
الدكتور لاحظ وسأل
في حد من أهلك نكلمه؟
ساعتها لأول مرة سكت.
مين أهلي؟
اللي سرقني؟ ولا اللي باعني؟ ولا اللي سابني أموت لوحدي؟
غمضت عيني ودموعي نزلت بهدوء.
بعد شوية دخلت ممرضة وقالت
في واحدة بره بتقول إنها صاحبتك.
دخلت سمر صاحبتي من الشغل أول ما شافتني عيطت.
إنتي كويسة؟! محدش من عندك سأل عليكي!
الكلمة دي أكدتلي كل حاجة.
أنا لوحدي.
بس يمكن لأول مرة الوحدة دي كانت أهون من العيشة وسط ناس بتكسرك كل يوم.
خرجت من المستشفى بعدها بيومين وما رجعتش البيت.
روحت عند سمر قعدت عندها يوم اتنين أسبوع.
محمود حاول يتصل مرة اتنين وبعدين بطل.
ولا حتى كلف نفسه ييجي.
ساعتها فهمت أنا كنت لوحدي طول الوقت بس كنت بكذب على نفسي.
بعد شهر وقفت قدام شقة صغيرة للإيجار مش كبيرة مش فخمة بس بابها بتاعي.
دفعت أول إيجار من شغلي من تعبي من غير ما حد ياخد مني حاجة.
وأنا بفتح الباب لأول مرة حسيت بحاجة عمري ما حسيتها
راحة.
مش عشان الشقة لا
عشان أخيراً اخترت نفسي.
وفي يوم رن جرس الباب.
فتحت لقيت محمود.
وشه تعبان صوته واطي
أنا غلطت تعالي نبدأ من جديد.
بصيت له
بس المرة دي ابتسمت بهدوء وقلت
أنا بدأت فعلاً