الحاجة زينب
الدنيا كانت لسه بتمطر… نفس المطر التقيل اللي بدأ الحكاية، بس المرة دي صوته كان مختلف، كأنه بيحكي، بيشهد على كل اللي حصل جوه البيت الصغير ده.
الحاجة زينب ما نمتش الليلة دي. قعدت جنب "أمل" طول الليل، كل شوية تقوم تبص عليها، تتحسس جبينها، وتعدل البطانية عليها. قلبها كان مشغول… مش بس خوف على البنت، لكن إحساس غريب بيقولها إن اللي جاي
مش سهل.
مع أول ضوء للفجر، أمل صحت على وجع شديد في بطنها. مسكت في هدوم زينب وهي بتصرخ بصوت مكتوم: — "أنا تعبانة قوي… بطني…"
زينب قلبها وقع، بس تماسكت: — "استهدي بالله يا بنتي… ده ممكن يبقى طلق بدري."
لكن أمل هزت راسها وهي بتعيط: — "لا… مش ده بس… أنا خايفة… هما قريبين… أنا حاسة…"
زينب سكتت لحظة… وبصت لها نظرة طويلة: — "قوليلي الحقيقة كلها… اللي مخبياه، قولي دلوقتي."
أمل غمضت عينيها، وكأنها بتاخد قرار عمرها، وبصوت متقطع قالت: — "أنا مش بس حامل من جوزي… العيل ده… عليه ورث كبير…"
زينب عقدت حواجبها: — "ورث إيه؟"
أمل بلعت ريقها: — "جوزي قبل ما يسافر كتب كل حاجة باسمي وباسم ابنه اللي جاي… لأنه كان عارف إن أهله ممكن يغدروا بيه… وكان ناوي يرجع ويقف قدامهم… بس…"
— "بس إيه؟"
— "اختفى… من 4 شهور… ومحدش يعرف عنه حاجة."
السكوت وقع تقيل بين
زينب فهمت في لحظة… دي مش مجرد بنت هربانة… دي مفتاح ثروة… وصراع… ويمكن جريمة.
وقبل ما تلحق تتكلم… خبط جامد على الباب.
قلب الاتنين وقف.
الخبط تكرر… أقوى: — "افتحي يا حاجة! احنا عارفين إن البنت عندك!"
أمل اتجمدت في مكانها، إيديها بتترعش: — "دول هما…"
زينب وقفت ببطء… وشها اتغير… بقت ست تانية خالص.
ست عاشت وشافت… واتكسرت واتصلبت.
همست: — "اسمعي الكلام… ومهما حصل، متطلعيش."
وخبت أمل في أوضة جوه، وقفلت عليها، وحطت قدام الباب دولاب تقيل.
وبعدين راحت فتحت الباب.
واقف قدامها 3 رجالة… لبسهم شيك… بس عيونهم مليانة قسوة.
واحد فيهم قال ببرود: — "إحنا بندور على بنت هربانة… شكلها كده…"
زينب قطعت كلامه وهي عاملة نفسها مش فاهمة: — "بنت مين يا ولدي؟ هو أنا فاتحة لوكاندة؟"
الراجل ضحك بسخرية: — "بلاش تمثيل… احنا عارفين إنها هنا."
زينب رفعت صوتها: — "والله ما دخل بيتي حد! ولو عندكم كلام تاني، روحوا القسم!"
الراجل قرب منها خطوة، صوته واطي بس مرعب: — "خلي بالك… اللي بتخبّيه ده ممكن يهد بيتك على دماغك."
زينب بصت له في عينه من غير خوف: — "البيت ده اتبنى على عرق… ومش هيتهد بتهديد."
فضلوا باصين لها ثواني… وبعدين مشيوا.
بس قبل ما يركبوا عربيتهم… واحد منهم قال: — "هنرجع…
الباب اتقفل… وزينب سابت نفسها على الكرسي، لأول مرة الخوف يظهر في عينيها.
دخلت لأمل… لقتها بتعيط في صمت.
زينب قعدت جنبها: — "اسمعي… إحنا دخلنا في حرب… يا نكملها… يا نضيع."
أمل بصتلها برجاء: — "أنا مش عايزة فلوس… ولا ورث… أنا عايزة أعيش أنا وابني بس."
زينب شدت على إيدها: — "واللي زيهم مش هيسيبوا حد يعيش بسهولة."
وفجأة… أمل صرخت.
المرة دي الطلق كان حقيقي.
زينب اتحركت بسرعة: — "خلاص… جه وقته."
الدنيا بره كانت بتمطر تاني… أقوى من الأول… وكأن السما بتغطي على اللي بيحصل.
جوا البيت الصغير… وسط الخوف والبرد… اتولد طفل.
صرخته شقت السكوت… صرخة حياة في وسط الموت.
زينب لفّته بسرعة، ودموعها بتنزل: — "ولد… زي القمر…"
أمل كانت بتبص له بعيون مليانة حب وخوف: — "سميه… سميه على أبوه…"
زينب سألت: — "اسمه إيه؟"
— "يوسف…"
زينب ابتسمت: — "يبقى يوسف… ابن الغلب… وابن النجاة."
لكن الفرحة ما كملتش.
صوت عربية وقفت بره… وبعدها رجالة كتير.
زينب فهمت… المرة دي رجعوا.
بصت لأمل: — "اسمعي… خدي ابنك… واطلعي من الباب اللي ورا… فيه سكة على الترعة… امشي فيها لحد ما توصلي للجامع الكبير… هناك هتلاقي ناس تساعدك."
أمل هزت راسها وهي بتعيط: — "وانتي؟"
زينب ابتسمت بهدوء: — "أنا
الباب بدأ يتكسر.
زينب زقّت أمل: — "اجري!"
أمل خرجت… وهي حاضنة ابنها… قلبها بيتقطع… بس رجليها بتجري.
في اللحظة اللي الباب اتكسر فيها… كانت زينب واقفة لوحدها.
الرجالة دخلوا.
— "فينها؟!"
زينب قعدت على الكرسي… بهدوء: — "مفيش حد."
واحد منهم ضربها… وقعت… بس ضحكت.
— "متأخرتوش شوية؟"
خارج البيت… أمل كانت بتجري في الطين والمطر… وطفلها بيعيط في حضنها.
لكن مع كل خطوة… كانت بتبعد عن الخوف… وتقرب من حياة جديدة.
أما الحاجة زينب…
فضلت لوحدها في البيت…
بس المرة دي… البيت ما كانش فاضي.
كان مليان حاجة واحدة بس…
بطولة.
المطر مهدّش… بالعكس، زاد، كأن السما مصممة تغسل كل حاجة حصلت الليلة دي، أو يمكن تخبيها.
أمل كانت بتجري وهي حاضنة "يوسف" بقوة، أنفاسها بتتقطع، ورجليها بتغوص في الطين مع كل خطوة. الطريق اللي ورا بيت الحاجة زينب كان ضيق ومظلم، بس كلام زينب كان بيرن في ودانها: "امشي لحد الجامع الكبير… هناك هتلاقي ناس تساعدك."
بس الخوف كان أسرع من أي طريق.
كل شوية كانت تبص وراها… حاسة إنهم قريبين… إن العربية اللي سمعتها ممكن تظهر في أي لحظة.
يوسف كان بيعيط… عياط صغير، بس كأنه بيعلن مكانهم.
أمل ضمته أكتر، وهمست وهي بتبكي: —
وصلت عند الترعة… الميه كانت عالية بسبب المطر، وصوتها مرعب في الضلمة. وقفت لحظة، تايهة… يمين ولا شمال؟
وفجأة… نور كشاف بعيد.