الحاجة زينب
أمل قلبها وقف.
صوت رجالة: — "دوروا كويس! مش هتبعد!"
دمها تجمّد… وبسرعة جريت ناحية الشمال، من غير تفكير.
الطريق بقى أوعر… شجر وزرع شوك… هدومها اتقطعت، وإيديها اتجرحت، بس ما وقفتش.
لحد ما لمحت نور خافت قدامها…
جامع صغير… بابه مفتوح، ونور لمبة صفرا ضعيفة.
دخلت بسرعة، وهي بتنهج، وقلبها بيدق كأنه هيخرج من صدرها.
جوا… كان فيه راجل كبير، قاعد بيصلي.
رفع عينه عليها بهدوء، كأنه كان مستنيها.
— "خير يا بنتي؟"
أمل وقعت على ركبتها، وهي بتعيط: — "الحقني… بالله عليك…"
الراجل قام بسرعة، قرب منها، وبص للطفل: — "إنتي والولد في خطر؟"
هزت راسها.
من غير أسئلة كتير، قال: — "قومي… تعالي ورايا."
دخلها أوضة صغيرة جنب الجامع، فيها سرير قديم وبطانية.
— "اقفلي على نفسك… ومهما تسمعي، متطلعيش."
أمل بصت له
ابتسم ابتسامة هادية: — "اللي داخل بيت ربنا… بيبقى في أمانه."
قفلت الباب… وقعدت في الركن، حاضنة يوسف، لسه جسمها بيرتعش.
برا… بعد دقايق…
صوت رجالة.
— "يا شيخ! شفت واحدة معدية من هنا؟"
صوت الراجل رد بهدوء: — "الليلة مطرها شديد… محدش يعدي في الوقت ده."
— "إحنا بندور على حرامية."
— "ربنا يهديكم…"
سكتوا شوية… وبعدين مشيوا.
جوا الأوضة… أمل كانت سامعة كل كلمة… وكل ثانية كانت بتمر كأنها سنة.
عدت ساعة… يمكن أكتر…
الباب خبط خبط خفيف.
أمل اتجمدت.
— "أنا الشيخ… افتحي."
فتحت بحذر.
الراجل دخل، ومعاه شوية أكل ولبن: — "كلي… إنتي محتاجة تقفي على رجلك."
أمل بصت له بامتنان، بس لسه الخوف في عينيها: — "أنا مش عارفة أشكرك إزاي…"
— "متشكرينيش… احكيلي بس…"
أمل سكتت… وبعدين
كل حاجة.
جوزها "يوسف الكبير"، سفره، اختفاؤه، أهله، التهديدات، الهروب… كل تفصيلة.
الشيخ سمعها للآخر… وبعدين قال: — "إنتي مش هتعرفي تفضلي هربانة طول العمر."
أمل دموعها نزلت: — "أعمل إيه؟ أرجعلهم؟ يقتلوني أنا وابني؟"
— "لا… تواجهيهم… بس مش لوحدك."
أمل بصت له باستغراب: — "إزاي؟"
الشيخ طلع موبايل قديم من جيبه، وقال: — "فيه واحد صاحبي… محامي… بيحب يقف مع الحق…"
أمل قلبها خبط: — "ممكن يساعد؟"
— "لو اللي بتقوليه صح… هيقلب الدنيا عليهم."
في نفس اللحظة…
بعيد شوية…
في بيت الحاجة زينب…
كانت مرمية على الأرض… دمها سايح من جنب راسها… بس لسه عايشة.
واحد من الرجالة قال: — "مفيش فايدة… الست دي مش هتنطق."
التاني رد: — "سيبها… خلينا نركز على البنت."
خرجوا… وسابوا الباب مفتوح.
البيت رجع
بعد شوية…
زينب فتحت عينيها بالعافية.
أول حاجة قالتها وهي بتهمس: — "هربت… الحمد لله…"
ابتسمت رغم الألم…
وبعدين حاولت تزحف لحد التليفون القديم.
إيديها كانت بتترعش… بس وصلت له.
طلبت رقم…
— "ألو… يا ولدي محمود… تعالى لي بسرعة…"
وقفلت.
وبصت للسقف…
— "أنا لسه مخلصتش…"
رجعنا للجامع…
أمل كانت قاعدة، ويوسف نايم في حضنها.
الشيخ رجع وقال: — "كلمته… هييجي الصبح."
أمل لأول مرة… حسّت بحاجة شبه الأمان.
بس الهدوء ما طولش.
صوت عربية… وقفت قريب.
الشيخ بص من الشباك… ووشه اتغير.
— "شكلهم رجعوا يدوروا تاني…"
أمل قلبها وقع: — "هيلاقونا؟"
الشيخ بص لها بثبات: — "المرة دي… مش هنهرب…"
— "يعني إيه؟!"
— "يعني… هنواجه."
أمل حضنت ابنها… والخوف رجع أقوى من الأول.
بس جواها… حاجة صغيرة بدأت تكبر…
مش
إصرار.
إنها مش هتفضل طول عمرها بتجري.
وإن "يوسف" اللي في حضنها…
مش هيعيش نفس الرعب.
برا… خطوات الرجالة قربت…
وجوا… المواجهة بدأت.
تمت
الهواري