السر في كيس الزبالة

لمحة نيوز

من نفس البوابة، بس برأس مرفوع، وقلب أقوى، وسابت وراها قصر كان شاهد على ضعفها وبقى دليل على قوتها.
محدش كان متوقع إن حكاية عاليا تخلص عند كده بالعكس، دي كانت مجرد البداية الحقيقية، لأن اللي حصل جوه قصر الهواري كان زي زلزال ضرب العيلة من أساسها، لكن توابعه لسه مخلصتش.
بعد ما عاليا سابت القصر وباعت نصيبها، اختارت تعيش في مكان بسيط في الأول، شقة صغيرة على قدها، مفيهاش فخامة القصر ولا هيبته، لكنها كانت أول مرة تحس إنها في مكان بتاعها بجد، محدش فيه بيبصلها باستعلاء، ولا بيحسب عليها النفس، ولا بيكسرها بكلمة. كانت بتصحى الصبح تشرب قهوتها في البلكونة، تبص للشارع العادي، وتبتسم لأن لأول مرة، حياتها بقت بإيدها.
لكن جواها كان فيه حاجة لسه بتغلي مش رغبة في الانتقام، لكن رغبة في إثبات نفسها، إنها مش البنت الغريبة اللي كانوا بيقولوها، ولا الست اللي ما خلفتش فمالهاش قيمة، كانت عايزة تثبت إن قيمتها مش في اسم عيلة، ولا في جواز، ولا في قصر قيمتها فيها هي.
استثمرت جزء من الفلوس في مشروع
صغير، مكتب استشارات عقارية، كانت فاهمة السوق كويس من خلال السنين اللي عاشتها وسط صفقات الهواري، وكانت بتتعلم بسرعة، بتشتغل بإصرار، تقعد بالساعات تراجع عقود، تقابل عملاء، تتعب، تغلط، وتقوم تاني.
في البداية، محدش كان واثق فيها، خصوصًا لما يعرفوا إنها كانت مرات آدم الهواري السابقة، لكن مع الوقت، سمعتها بدأت تكبر لأنها كانت صادقة، شاطرة، ومش بتضحك على حد.
بعد سنة واحدة بس، اسم عاليا بقى معروف في السوق، وبدأت تكبر شغلها، تفتح مكتب أكبر، وتوظف ناس، وبقى عندها فريق بيشتغل معاها، والأهم بقى عندها كيان.
وفي الناحية التانية كانت عيلة الهواري بتنهار ببطء.
شاهيناز، اللي كانت دايمًا متحكمة في كل حاجة، فقدت السيطرة، لأن جزء كبير من النفوذ كان قائم على أملاك اتنقلت رسميًا، والسمعة اللي كانت بتتباهي بيها بدأت تتشوه، خصوصًا بعد الكلام اللي بدأ ينتشر في الوسط عن اللي حصل.
شيرين حاولت تتجوز حد غني عشان تعوض اللي حصل، لكن كل مرة الموضوع كان بيبوظ في آخر لحظة، لأن الناس بقت حذرة من اسم الهواري.

أما آدم فكان أكتر واحد خسر.
في الأول حاول يقنع نفسه إن عاليا هي اللي خسرت، وإنه هيلاقي غيرها بسهولة، لكنه اكتشف إن المشكلة مكانتش فيها المشكلة كانت فيه هو.
كل علاقة دخلها بعدها فشلت، كل واحدة كانت بتشوف فيه نفس البرود، نفس الغرور، نفس العجز عن الاحتواء، وبدأ يسمع جملة واحدة بتتكرر إنت شبهك في حد كنت أعرفه ومكنش نافع.
الجملة دي كانت بتكسره كل مرة.
وفي يوم بعد أكتر من سنتين، كان واقف قدام مكتب عاليا.
اتردد كتير قبل ما يدخل، لكن في الآخر جمع شجاعته ودخل.
السكرتيرة سألته حضرتك عندك ميعاد؟
قال بتوتر لا بس قولي لها آدم الهواري.
الاسم لسه له تأثير السكرتيرة دخلت تبلغها.
جوا المكتب، عاليا سمعت الاسم، وسكتت لحظة مش خوف، ولا وجع، لكن كأنها بتسترجع فصل قديم من كتاب قفلته خلاص.
قالت بهدوء خليه يدخل.
دخل آدم وبص لها.
سكت.
اتصدم.
دي مش نفس الست اللي كان سايبها واقفة مكسورة على باب القصر دي واحدة تانية خالص، واثقة، هادية، عينيها فيها قوة غريبة.
قال بصوت واطي إزيك يا عاليا
ردت بهدوء
تمام اتفضل اقعد.
قعد قدامها، ومكنش عارف يبدأ منين.
قال بعد تردد أنا كنت عايز أقولك إني غلطت.
بصت له بثبات عارفة.
اتلخبط طيب مش هتقولي حاجة؟
قالت ببساطة هقول إيه؟ الكلام مش بيرجع حاجة.
سكت شوية، وبعدين قال أنا خسرت كل حاجة.
ردت عليه بهدوء لا إنت بس ابتديت تشوف الحقيقة.
بصلها بعين فيها ندم ممكن نبدأ من جديد؟
وهنا عاليا ابتسمت.
مش بس ابتسامة دي كانت إجابة.
قالت إحنا فعلاً بدأنا من جديد بس كل واحد لوحده.
الكلمة كانت خفيفة لكنها تقيلة عليه.
قام وهو حاسس إنه اتأخر أوي.
وقبل ما يخرج، قالت له آدم
لف لها بسرعة، كأن عنده أمل.
قالت أنا مش زعلانة منك أنا بس اتعلمت.
وخرج.
المرة دي هو اللي خرج مكسور.
أما عاليا فرجعت لشغلها، وكأن حاجة ما حصلتش.
لكن الحقيقة إن كل حاجة كانت حصلت وهي كسبت نفسها.
وبعد شهور، اتكرمت في مؤتمر كبير لنجاحها في مجالها، ووقفت على المسرح وقالت جملة واحدة بس لخصت كل رحلتها
أصعب حاجة مش إنك تقع أصعب حاجة إنك تقوم وتصدق إنك تستاهل حياة أحسن.
وساعتها الكل وقف يسقف.

مش عشان كانت مرات الهواري
لكن عشان بقت عاليا وبس.

تم نسخ الرابط