أمانة ورث
وأنا كسبت نفسي.
والملف اللي كان في إيدي؟ عمره ما كان ورق بس كان الحقيقة اللي غيرت كل حاجة.
عدّى وقت مش قليل بعد اللي حصل، والهدوء اللي رجع لحياتي كان غريب في الأول كأنه هدوء ما بعد عاصفة كبيرة لسه الأرض بتستوعبها. كنت فاكرة إن القصة خلصت عند الحكم، وإن كل واحد خد جزاءه وخلاص، لكن الحقيقة إن بعض الحكايات مبتنتهيش بسهولة خصوصًا لما يكون فيها ناس متعودة تاخد ومتعرفش تعيش من غير ما تمد إيدها.
في يوم عادي جدًا، كنت قاعدة في مكتبي براجع شغل، لما السكرتيرة دخلت وقالتلي إن في حد مصمم يقابلني رفضت في الأول، لأني قطعت كل علاقاتي القديمة، لكن لما قالت الاسم قلبي دق بطريقة غريبة. كان أبويا.
وقفت لحظة، وبعدين قلت لها تدخّله. دخل أبطأ بكتير من اللي فاكرها، كأنه شايل سنين زيادة على كتفه ملامحه اتغيرت، صوته مابقاش فيه نفس القوة، حتى نظرته بقت مكسورة. قعد قدامي وسكت شوية، وأنا سايبة المسافة بينا زي ما هي لا قربت ولا بعدت.
قال بصوت واطي إحنا غلطنا يا نيرة غلط
الكلمات اللي عمري ما سمعتها منه خرجت أخيرًا، بس كانت جاية متأخرة قوي. كمل وقال إن الدنيا اتقفلت في وشهم، وإن شيرين حاولت تبدأ من جديد بس كل حاجة كانت بتقع، وإنهم خسروا ناس كتير وثقة أكتر.
كنت سامعة بس مش متأثرة زي زمان. يمكن لأن الجرح لما بيقدم، الإحساس بيه بيتغير. سألني في الآخر لو ينفع نرجع عيلة تاني الكلمة اللي كانت زمان حلم بالنسبة لي.
بصيت له بهدوء وقلت إحنا عمرنا ما كنا عيلة حقيقية كنا ناس عايشين تحت سقف واحد.
الكلمة وجعته، بس كانت الحقيقة. ما طردتوش، وما سامحتوش كمان سيبته في المنطقة الرمادية اللي هو نفسه حطني فيها سنين.
بعد ما مشي، حسيت بحاجة غريبة مش انتصار، ولا حزن حاجة شبه التحرر. كأن آخر خيط كان رابطني بالماضي اتفك.
بس الحياة، زي ما اتعلمت، مبتحبش تسيبك مرتاح كتير. بعد كام أسبوع، جالي اتصال من المحامي صوته كان جدي في محاولة طعن على الصندوق الائتماني.
ضحكت ضحكة خفيفة وقلت أكيد شيرين.
قال مش لوحدها في حد بيموّل وراها.
هنا بس حسيت
شيرين، بطمعها المعتاد، باعت له وهم إنه ممكن يوصل للثروة اللي مش قادرين يلمسوها. وهو صدّق إنه يقدر يكسر النظام.
المعركة دي كانت أهدى في الشكل، لكنها أخطر بكتير. مفيش صريخ، مفيش مواجهات مباشرة كله بيتلعب في مكاتب وقوانين. حاولوا يثبتوا إن الصندوق معمول بطريقة فيها تلاعب، وإنه اتعمل تحت ضغط لكن كل خطوة كانوا بياخدوها كانت بتقابلها عشر خطوات محضرة من زمان.
في جلسة مهمة، القاضي طلب كل المستندات الأصلية اللحظة دي كانت فاصلة. المحامي بتاعي وقف بثقة، وقدّم كل حاجة موثقة بتواريخ وأختام دولية وفي المقابل، دفاعهم كان مليان ثغرات.
شيرين كانت واقفة في القاعة، بصالي بنظرة مكسورة مش نفس النظرة القديمة اللي فيها استعلاء، لكن نظرة حد خسر كل حاجة ولسه بيحاول يمسك في أي أمل.
القضية اترفضت، والمحاولة فشلت والراجل
بعد الجلسة، شيرين قربت مني لأول مرة من غير تمثيل. قالتلي بصوت مهزوز أنا تعبت مش عارفة أعيش كده.
سكت شوية، وبعدين سألتني إنتي إزاي قدرتي؟
بصيت لها، وشفت فيها جزء من نفسي زمان الجزء اللي كان تايه وبيحاول يثبت نفسه بأي طريقة. قلت لها لما بطلت أجري وراهم وبدأت أبني نفسي.
ما عرضتش مساعدة، وما طردتهاش سبت لها الاختيار، زي ما أنا اخترت لنفسي قبل كده.
مرت شهور تانية، والدنيا بدأت تستقر فعلاً. كبرت شغلي، دخلت مجالات جديدة، وبقيت ببص لقدام أكتر ما ببص ورا. الماضي بقى مجرد درس مش سجن.
وفي ليلة هادية، وأنا قاعدة لوحدي، افتكرت كل اللي حصل من أول يوم حسيت فيه إني زيادة، لحد ما بقيت أنا اللي بحدد مين يدخل حياتي ومين لأ.
فهمت إن القوة مش في الفلوس ولا الأملاك القوة إنك تعرف قيمتك حتى لو كل اللي حواليك حاولوا يقنعوك بالعكس.
وأهلي؟ فضلوا صفحة اتقفلت مش بكرههم، لكن كمان مش محتاجة أرجع لهم.
لأني أخيرًا