ياسين.. الحكاية اللي بدأت بكذبة وانتهت بوجع مـابيموتش
ياسين.. الحكاية اللي بدأت بكذبة وانتهت بوجع مابيموتش
أنا عمري ما تخيلت إني هكتب الكلام ده في يوم من الأيام، ولا عمري تخيلت إن الليلة اللي كنت فاكرها عزومة عادية وسط أهلي، تتحول للحظة اللي اتدفنت فيها حيّ وأنا لسه بتنفس. كل حاجة حصلت بعدها كانت مجرد امتداد للحظة دي لحظة الاتهام.
بعد ما خرجت من القسم تاني يوم، كنت واقف في الشارع ومعايا كيس فيه هدومي اللي كنت لابسها، ووشي متورم ودمي ناشف على بُقّي، ومفيش مكان أروحه. رجعت البيت؟ لأ حاولت. وقفت قدام الباب يمكن حد يفتح، يمكن أمي تضعف، يمكن أبويا يسمعني بس اللي فتح كان أخويا يحيى، بص لي نظرة كأني مش بني آدم، ورمى الشنطة بتاعتي على السلم وقال لو وقفت هنا تاني هكسر رجلك. وقفل الباب في وشي.
ساعتها فهمت إن أنا خلاص اتمسحت من حياتهم.
نمت أول ليلة على قهوة، والتاني على الرصيف، وبعد أسبوع كنت بقيت واحد من الناس اللي بنشوفهم كل يوم ومحدش بيفكر فيهم. اشتغلت أي حاجة ماسح عربيات، عامل في مخزن، وبعدين شغلانة في ورشة نجارة. كنت بشتغل 12 ساعة في اليوم عشان أنسى بس مفيش حاجة كانت بتنسيني.
كل يوم كنت بصحى بنفس السؤال ليه؟
ليه نورا قالت كده؟ وليه محدش سألني؟ وليه كلهم صدقوا بسهولة؟ كنت بفكر
بعد سنة، سمعت بالصدفة من واحد قريبنا إن نورا سافرت عند خالتها في محافظة تانية عشان تولد في هدوء. قلبي اتقبض مش عشان الطفل عشان الكذبة بقت حقيقة في نظرهم.
عدت السنين وأنا ببني نفسي من الصفر. اتعلمت النجارة صح، وبقيت شاطر، واشتغلت مع معلم كبير، وبعد 5 سنين بقيت أنا اللي عندي ورشتي الصغيرة. كنت ساكن في أوضة فوق الورشة، وباكل ع قدّي، بس لأول مرة حسيت إني واقف على رجلي.
بس الوجع كان ثابت.
عمري ما نسيت اللي حصل، ولا سامحت، ولا حتى كرهت كنت بس موجوع.
في السنة السابعة، حصل أول شرخ في الكذبة واحد من عيال منطقتنا اللي كانوا عايشين جنب خالة نورا، جه يشتغل معايا. في مرة وهو بيتكلم، قال جملة خلت الدم يجري في عروقي تاني على فكرة، البنت اللي كانت ساكنة جنبنا زمان اللي جت حامل كانت بتتخانق كل يوم مع واحد كان بيزورها في السر.
اتجمدت مكاني.
سألته بهدوء مصطنع اسمها إيه؟
قال نورا.
ساعتها حسيت إن في حاجة بتتفك بس لسه ناقص دليل.
فضلت أدور ورا الموضوع شهور لحد ما عرفت اسم الشاب ده. كان واحد من قرايب خالتها، أكبر منها ب 6 سنين. وابتدى كل حاجة توضح بس لسه مفيش حاجة تثبت.
لحد اليوم اللي غير كل حاجة.
في يوم، وأنا في الورشة، لقيت رقم غريب بيرن. رديت، سمعت صوت مهزوز ياسين؟
قلبي وقف.
كانت نورا.
صوتها كان مكسور، ضعيف مش نفس البنت اللي دمرت حياتي. سكتت شوية وبعدين قالت أنا تعبانة ومحتاجة أقابلك.
كنت ممكن أقفل السكة أقول لها تموت بحزنها بس روحت.
قابلتها في مستشفى حكومي، كانت نايمة على سرير أبيض، وشها شاحب، وجسمها ضعيف بشكل يخوف. أول ما شافتني، عيطت عياط عمره ما كان تمثيل.
قالت بصوت بيقطع أنا ظلمتك.
الجملة دي كانت كفيلة تهد سنين من الصمت.
إنت كنت أقرب واحد والكل بيحبك فلو قلت اسمك، محدش هيشك.
قالتها وهي منهارة.
أنا مكنتش سامع غير صوت دمي.
سألتها ليه سكتي 10 سنين؟
بصت لي وقالت كنت جبانة ولما حاولت أتكلم، خافوا يقتلوني وأنا دلوقتي بموت فعلًا وعندي سرطان في مرحلة متأخرة ومش قادرة أقابل ربنا وأنا شايلة ذنبك.
ساعتها بس حسيت إن الدنيا بتلف.
طلبت مني أسامحها وأنا؟ معرفتش.
بس طلبت حاجة واحدة تقولي الحقيقة لأهلي.
وافقت.
بعد أسبوع الحقيقة خرجت.
نورا اعترفت قدام الكل، بالصوت والصورة. اعترفت بكل تفصيلة، وبعتت التسجيل لأبويا، وأمي، وكل العيلة.
اللي حصل بعدها كان متوقع.
في يوم، وأنا قاعد في الورشة، سمعت صوت
أول مرة أشوفهم من 10 سنين.
وشهم كان متكسر عيونهم مليانة ندم بس أنا؟ كنت هادي بشكل غريب.
أمي جريت عليّ تحضني رجعت خطوة لورا.
أبويا قال بصوت مكسور سامحنا يا ابني
ضحكت ضحكة وجع مش فرح.
قلت أنا مامتش عشان تسامحوني أنا اتدفنت.
سكتوا.
كملت 10 سنين محدش فيكم سأل محدش شك لحظة حكمتم عليّ في دقيقة ودلوقتي جايين تقولوا سامحنا؟
أخويا كان بيعيط لأول مرة.
قال نرجع زي الأول؟
بصيت له وقلت بهدوء الأول مات.
سيبتهم واقفين ودخلت الورشة.
نورا ماتت بعدها بشهر.
أما أنا كملت حياتي.
مش سامحت ومش نسيت بس اتعلمت أعيش.
لأن في جروح مبتخفش.
بس بنتعايش معاها.
بس الحكاية موقفتش عند كده لأن اللي الناس فاكرينه نهاية، كان بالنسبة لي مجرد بداية لنوع تاني من الوجع وجع هادي، تقيل، بيعيش جواك من غير صوت.
بعد ما أهلي مشيوا من قدام الورشة اليوم ده، فضلت واقف مكاني وقت طويل مش قادر أشتغل، ولا حتى أفكر. كنت فاكر إن لما الحقيقة تظهر، هحس براحة إن في حمل هيتشال من على صدري بس اللي حصل كان العكس. الحقيقة جات متأخرة لدرجة إنها فقدت قيمتها.
الليل ده، لأول مرة من سنين، معرفتش أنام. كل