ياسين.. الحكاية اللي بدأت بكذبة وانتهت بوجع مـابيموتش
وشي، نظرة أمي، تفّة أخويا كل تفصيلة رجعت كأنها بتحصل من جديد. الفرق الوحيد إني المرة دي كنت فاهم.
فهمت إن الوجع مش بس في الكذبة الوجع الحقيقي كان في إنهم صدقوها.
عدت أيام بعدها، وأهلي حاولوا يتواصلوا معايا أكتر من مرة. رسائل، مكالمات، حتى ناس تبعت لي وسايط. في الأول كنت بتجاهل بعدين بقيت بقرأ ومبردش. كانوا بيكتبوا كلام كتير ندم، اعتذار، ذكريات بس مفيش كلمة واحدة كانت قادرة تمس اللي جوايا.
لحد ما في يوم، لقيت أبويا واقف قدام الورشة تاني لوحده.
المرة دي، شكله كان مختلف مش الراجل القوي اللي كنت بخاف منه وأنا صغير. كان باين عليه كبر فجأة 20 سنة. شعره شاب، وضهره مكسور شوية.
قال لي ممكن أقعد؟
مش عارف ليه بس قولت له اتفضل.
قعد على كرسي خشب قدام المكتب، وبص حواليه كأنه بيشوف عالمي لأول مرة. قال إنت بنيت كل ده لوحدك؟
هزيت راسي.
سكت شوية وبعدين قال أنا مش جاي أبرر أنا جاي أقول إني غلطت.
بصيت له من غير رد.
كمل أنا صدقت بسهولة ومسمعتش منك وده أكبر ذنب عملته في حياتي.
سكتنا تاني صمت تقيل.
بعدين قال جملة غريبة كنت
الجملة دي خبطت في حاجة جوايا حاجة كنت فاكرها ماتت.
بس برضه مقولتش حاجة.
قال مش طالب منك تسامحني بس اديني فرصة أصلّح اللي ينفع يتصلّح.
رديت بهدوء في حاجات مبتتصلحش.
هز راسه وكأنه مستني الإجابة دي.
مشي بعدها، بس المرة دي ساب وراه حاجة تقيلة في قلبي.
بعدها بكام يوم، أمي جت.
كانت أضعف بكتير من آخر مرة شوفتها فيها. عيونها غائرة، وصوتها واطي. أول ما شافتني، عيطت بس بهدوء، مش بالصريخ اللي فاكره.
قالت أنا كنت أم سيئة.
الكلمة دي كانت أصعب من أي حاجة.
قعدت تحكي عن كل يوم عاشت فيه وهي حاسة بالذنب، عن إنها كانت بتصحى من النوم على صوتي وأنا بقول أنا معملتش حاجة، عن إنها حاولت تقنع نفسها إنها صح عشان تعرف تعيش بس معرفتش.
قالت لي أنا خسرتك بإيدي ومش مستنية ترجّع لي حقي كأم بس نفسي تبص لي مرة من غير ما تكرهني.
بصيت لها وسكت.
مش عشان مش عايز أرد بس عشان مش عارف.
هي مشيت وسابتني مع صراع جديد صراع بين الوجع والحنين.
عدت شهور وأنا متغير.
مش زي زمان بقيت
وفي وسط ده كله حصلت حاجة غريبة.
الولد.
ابن نورا.
ظهر في حياتي فجأة.
كان عنده حوالي 9 سنين نسخة مصغرة من البراءة اللي كانت عندها وهي صغيرة. جه الورشة مع واحدة ست كبيرة طلعت خالته.
قالت لي هو مالوش ذنب.
الولد كان واقف وراها، ماسك في هدومها، وباصص لي بخوف.
سألتها عايزين إيه؟
قالت نورا قبل ما تموت، وصّت عليه وقالت إنك الوحيد اللي ممكن تثق فيه.
ضحكت بسخرية بعد كل اللي حصل؟
قالت بهدوء هي كانت عارفة إنها ظلمتك وده أقل حاجة حاولت تصلّحها.
بصيت للولد لقيته شبهها فعلًا.
نزلت على ركبتي قدامه وقلت اسمك إيه؟
قال بصوت واطي آدم.
سكت لحظة وبعدين سألني إنت ياسين؟
هزيت راسي.
قال ماما كانت بتعيط وهي بتقول اسمك.
الجملة دي كسرتني.
فضلت باصص له ومش عارف أعمل إيه.
أنا اللي اتحرمت من عيلة هبقى مسؤول عن طفل؟
أنا اللي اتظلمت بسبب كذبة هقدر أعيش مع ذكرى الكذبة دي كل يوم قدامي؟
بس في نفس الوقت هو فعلًا مالوش ذنب.
قمت وقلت لخالته
اليومين دول كانوا أصعب قرار في حياتي.
آدم قعد معايا في الورشة، كان هادي، بيبص لكل حاجة كأنه بيكتشف الدنيا. كان بيساعدني، حتى لو بشكل بسيط. وفي الليل، كان بينام على السرير وأنا على الكنبة بس قبل ما ينام، كان بيسأل أسئلة كتير.
هو أنا بابايا فين؟
ماما كانت زعلانة ليه؟
إنت كنت تعرفها من زمان؟
كنت برد بحذر بس كل إجابة كانت بتفتح جرح.
لحد ليلة، سألني هو أنا وحش؟ عشان كده ماما كانت بعيط؟
قربت منه بسرعة وقلت إنت أحسن حاجة في الدنيا.
وساعتها أخدت قراري.
أنا مش هكرر اللي حصل لي.
مش هسيب طفل لوحده
تاني يوم، قلت لخالته هو هيقعد معايا.
ومن اليوم ده حياتي اتغيرت تاني.
بقيت بصحى عشان حد، مش بس عشان أشتغل. بقيت بضحك حتى لو قليل. بقيت بحاول أكون أب رغم إني عمري ما اتعلمت إزاي.
آدم كان بيعالج فيا حاجات كتير من غير ما يقصد وكان بيفكرني إن مش كل حاجة سودا.
أما أهلي فالقصة معاهم لسه مفتوحة.
مش رجعنا زي زمان ومش بقينا غرب.
بقينا حاجة في النص زي ناس بيحاولوا يتعلموا يعيشوا مع الغلط.
يمكن في يوم أسامح
بس اللي متأكد منه إن ياسين القديم مات فعلًا.
والجديد لسه بيتكوّن.