شر مرات ابني
كانت إيد عفاف لسه مبلولة وهي واقفة قدام التربيزة، عنيها متعلقة بالملف التقيل اللي حطه نبيل، وقلبها بيدق بطريقة عمرها ما حسّت بيها قبل كده… خليط بين خوف سنين، وأمل غريب لسه بيتولد.
نبيل فتح الملف بهدوء، كأنه متعود على اللحظات اللي بتقلب حيوات ناس في ثانية، وسحب أول ورقة ورفعها قدام ضياء.
— "تعرف دي إيه؟"
ضياء بلع ريقه، حاول يبان متماسك:
— "أكيد ورق القرض…"
نبيل ابتسم ابتسامة خفيفة، بس كانت قاسية:
— "لا… دي مش ورق قرض… دي توكيل عام رسمي… بس مش باسمك لوحدك."
شيرين اتشدت ملامحها فجأة، وقربت خطوة:
— "يعني إيه مش باسمه؟! هو قال—"
نبيل قاطعها وهو بيبصلها بنظرة قاطعة:
— "هو قال لك اللي يخدمك… مش اللي حقيقي."
وسحب ورقة تانية، وحطها جنب الأولى.
— "التوكيل ده يا مدام شيرين… معمول بشرط… شرط واضح وصريح… إن أي تصرف في البيت أو الممتلكات لازم يكون بموافقة طرف تالت."
عفاف فتحت عينيها بدهشة:
— "طرف تالت؟!"
نبيل بص لها بنعومة:
— "أنا."
الصمت وقع على المكان زي حجر تقيل.
ضياء وشه اصفرّ:
— "إنت… إنت بتقول إيه؟!"
— "بقول الحقيقة اللي إنت حاولت تخبيها… أمك لما مضت… كانت خايفة، بس مش غبية… جاتلي بعدها
عفاف دموعها نزلت في صمت… كانت فاكرة إنها ضعفت… طلعت بتحاول تنقذ نفسها.
نبيل كمل:
— "وعشان كده عملنا توكيل مشروط… أي بيع، أي رهن، أي تصرف… لازم توقيعي أنا كمان… واللي حصل؟"
قلب الصفحة بسرعة، وطلع مستند تالت.
— "محاولة نقل ملكية البيت باسمك وباسم الآنسة شيرين… بدون علمي… وده يعتبر تزوير."
شيرين اتوترت وصرخت:
— "كلام فاضي! إحنا ما زورناش حاجة!"
نبيل رفع ورقة فيها أختام:
— "التوقيع ده مش توقيعك الحقيقي يا ضياء… والتاريخ متغير… والتقرير ده من خبير خطوط."
ضياء رجع لورا وهو بيترعش:
— "أنا… أنا كنت هصلح كل حاجة…"
— "لما تبيع أمك؟ ولا لما ترميها في الشارع؟"
الجملة دي نزلت عليه زي صفعة.
عفاف لأول مرة بصت له مش كأم… لكن كواحدة مجروحة.
— "إنت كنت ناوي تعمل فيا كده يا ضياء؟"
صوته خرج مكسور:
— "أنا كنت عايز أعيش… شيرين قالتلي—"
— "شيرين قالتلك إيه؟!"
نبيل دخل بسرعة، وفتح جزء تاني من الملف.
— "شيرين قالتله يستعجل… قبل ما (الحالة) تسوء."
عفاف شهقت:
— "حالة إيه؟!"
نبيل طلع تقرير طبي…
— "تقرير مزور… بيقول
عفاف حطت إيدها على قلبها:
— "يا نهار أبيض…!"
شيرين فقدت أعصابها:
— "ما هو ده الطبيعي! ست عندها 68 سنة—"
نبيل قرب منها خطوة، وصوته بقى حاد:
— "ست عندها 68 سنة… ربت راجل واقف قدامنا… وبنت بيت… وعاشت بشرف… ومش محتاجة واحدة زيك تحدد إذا كانت عاقلة ولا لأ."
شيرين سكتت… بس عنيها كانت مليانة غِل.
نبيل كمل بهدوء:
— "وعلى فكرة… دي مش أول مرة تعمليها."
وسحب صور… وصور تانية… وعقود قديمة.
— "3 قضايا نصب… رجالة مختلفين… نفس السيناريو… ارتباط… ضغط… نقل ملكية… اختفاء."
ضياء بص لها بصدمة:
— "إنتي…؟!"
شيرين صرخت:
— "كله كدب!"
— "يبقى نشوف في القسم…"
الجملة دي أنهت كل حاجة.
شيرين سكتت… وشها انهار… وبدأت ترجع لورا.
ضياء قعد على الكرسي كأنه اتكسر.
أما عفاف… فكانت واقفة… بس لأول مرة من شهور… واقفة مستقيمة.
نبيل بص لها:
— "البيت بيتك… وكل حاجة باسمك… ومحدش يقدر يقرب له."
دموعها نزلت… بس المرة دي مش ضعف… دي راحة.
بصت لابنها… اللي كان بيبكي:
— "أنا كنت أهون عليك كده؟"
ضياء قال بصوت مكسور:
— "سامحيني يا أمي… أنا كنت أعمى…"
سكتت شوية… وبعدين
— "أنا مش هطردك… بس هتتعلم تعيش صح… مش على حسابي."
وبصت لشيرين:
— "وأنتي… الباب يفوت جمل."
شيرين خرجت وهي مكسورة… لأول مرة.
البيت سكت… بس سكون مختلف… مش سكون ذل… سكون كرامة راجعة.
عفاف مشيت ناحية الحوض… بصت للفستان الأبيض… وابتسمت ابتسامة خفيفة… ورفعته من المية… وحطته على جنب.
— "ده مش شغلي."
وبصت لنبيل:
— "شكراً… إنك فكرتني أنا مين."
نبيل رد بابتسامة هادية:
— "إنتي ما نسيتيش… إنتي بس اتوجعتي شوية."
وفي اللحظة دي… عفاف رجعت ست البيت… مش خدامة فيه… رجعت صاحبة المكان… وصاحبة الكرامة اللي عمرها ما تموت… مهما حاولوا يدفنوها.
البيت هدي… بس الهدوء ده ماكانش راحة كاملة… كان زي سكون بعد عاصفة، وكل واحد فيهم واقف وسط الركام بيحاول يفهم هو خسر إيه وكسب إيه.
عفاف قعدت على الكرسي الخشب القديم في الصالة… نفس الكرسي اللي كانت بتقعد عليه زمان وهي بتخيط هدوم الناس عشان تكبر ضياء… إيديها اتحطت في حضنها، وبصت حواليها كأنها أول مرة تشوف بيتها بجد.
الحايط اللي كانت شايلة عليه صورته وهو طفل… باين عليه الشرخ. الترابيزة اللي كانت بتحط عليها الأكل… عليها خدوش كتير. والمطبخ… المطبخ اللي كان
ضياء كان واقف بعيد، مش قادر يقرب… ولا قادر يمشي. كل مرة يحاول يتكلم، الكلمات تقف في زورُه.
— "ماما…"
صوته طلع ضعيف.