شر مرات ابني

لمحة نيوز

عفاف رفعت عينيها عليه، نظرة هادية بس تقيلة.

— "إيه؟"

— "أنا… أنا غلطت."

سكتت شوية… وبعدين قالت:
— "عارفة."

الكلمة نزلت عليه تقيلة أكتر من أي شتيمة.

— "طب… هتسامحيني؟"

عفاف أخدت نفس طويل، كأنها بتجمع كل السنين اللي فاتت جوا صدرها.

— "المسامحة مش كلمة يا ضياء… المسامحة موقف… وأنا لسه مجروحة."

ضياء دموعه نزلت:
— "أنا كنت فاكر إني بعمل الصح… كنت عايز أبدأ حياتي… شيرين فهمتني—"

— "شيرين فهمتك إزاي تبيع أمك."

الجملة كانت قاطعة… ومافيهاش رجوع.

في اللحظة دي، الباب خبط.

التلاتة اتفاجئوا.

نبيل كان لسه واقف، فراح فتح الباب… لقى اتنين واقفين… واحد لابس بدلة رسمية، والتاني شايل ملف.

— "مساء الخير… حضرتك الأستاذ نبيل؟"

— "أيوه."

— "إحنا من النيابة."

ضياء جسمه اتجمد.

الراجل دخل وقال بهدوء:
— "في بلاغ مقدم بخصوص محاولة تزوير في أوراق ملكية…

وكنا محتاجين ناخد أقوال الأستاذ ضياء."

ضياء بص لنبيل بخوف:
— "إنت… إنت بلغت؟"

نبيل رد بثبات:
— "أنا بلغت عشان أحمي حق… مش عشان أهد حد."

عفاف قلبها وجعها… مهما كان، ده ابنها.

— "هو لازم يمشي دلوقتي؟"

الراجل رد:
— "إجراءات بس يا حاجة… ولو الأمور بسيطة هيرجع."

ضياء بص لأمه… نظرة مليانة رجاء وخوف وندم.

— "ماما… ماتسيبينيش."

عفاف قامت ببطء… قربت منه… ولمست وشه بإيدها المرتعشة.

— "أنا عمري ما سيبتك… إنت اللي سيبتني."

دموعه نزلت أكتر.

— "روّح… وقابل غلطك… يمكن ده أول طريق الصح."

الظابط أخده ومشي.

الباب اتقفل… وساب وراه فراغ تقيل.

عفاف رجعت قعدت… بس المرة دي دموعها نزلت بصوت.

— "أنا تعبت يا نبيل… تعبت قوي."

نبيل قعد قدامها:
— "وأخيراً… التعب ده هيخلص."

— "هو أنا غلطت لما حبيته كده؟"

— "لا… إنتي غلطتي لما سكتي على الغلط."

الكلام دخل قلبها…

بس كان حقيقي.

عدّى يوم… واتنين… وثلاثة.

البيت بدأ يتنضف… مش من التراب… من الذكريات التقيلة.

عفاف رجعت تفتح الشباك الصبح… تشم الهوا… تحط زرع جديد… وترجع تعمل عيش في الفرن الصغير اللي كانت نسيته.

وفي يوم… وهي قاعدة بتشرب شاي… سمعت خبط خفيف على الباب.

قامت فتحت…

ضياء.

بس مش نفس ضياء.

وشه مرهق… دقنه طالعة… عينيه غرقانة في تعب… بس فيهم حاجة جديدة… انكسار حقيقي.

وقف قدامها ساكت.

— "ممكن أدخل؟"

عفاف سكتت لحظة… وبعدين وسعت الباب.

دخل وهو ماشي ببطء… كأنه داخل مكان مقدس.

بص حواليه… كأنه بيشوف البيت لأول مرة.

— "وحشني."

عفاف ردت بهدوء:
— "البيت عمره ما كان غايب… إنت اللي كنت بعيد."

قعد قدامها، وطلع ورقة من جيبه.

— "دي… تنازل مني عن أي حق… أي حاجة كنت بفكر فيها… كله ليكي."

حط الورقة قدامها.

— "أنا مش عايز حاجة غير… فرصة أصلح."

عفاف بصت

للورقة… وبعدين له.

— "واللي اتكسر… هيتصلح إزاي؟"

— "هقعد جنبك… أتعلم منك تاني… أشتغل… أتعب… وأرجّعلك حقك… حتى لو أخد عمري كله."

سكتت… قلبها بيشدها تسامح… ووجعها بيشدها تبعد.

— "القعدة هنا مش سهلة يا ضياء… هنا مفيش شيرين… مفيش حد هيطبطب عليك… هنا في حق… وتعب… وصبر."

— "أنا مستعد."

بصت في عينيه… تدور على الكدب… مالقتش.

تنهدت وقالت:
— "تمام… بس هتبدأ من تحت خالص."

— "يعني إيه؟"

— "يعني هتشتغل معايا… زي زمان… تشيل… وتبيع… وتتعلم إن العيش بييجي بتعب… مش على حساب حد."

ابتسم لأول مرة… ابتسامة صغيرة… بس صادقة.

— "موافق."

وفي اليوم ده… ضياء نزل السوق مع أمه… يشيل شوال دقيق على كتفه… والناس تبص له باستغراب… بس هو ماهموش.

عفاف كانت ماشية جنبه… رافعة راسها… مش لوحدها… لكن المرة دي… باختيارها.

والبيت… بقى مكان تاني.

مش بس جدران… لكن حكاية ست

وقعت… واتكسرت… وقامت… ورجعت أقوى.

وحكاية ابن ضاع… ورجع… بس بعد ما فهم إن أغلى حاجة في الدنيا… مش بيت ولا فلوس…

أغلى حاجة… هي أم… لو ضاعت… مفيش حاجة ترجعها.

تم نسخ الرابط