مفاجأة عم ابراهيم
المطر كان بيغسل شوارع مدينة نصر كأنه بيحاول يمسح تعب الأيام اللي فاتت، والبرد داخل من كل شباك مكسور في السكن القديم. مريم كانت قاعدة على سريرها الحديد، إيديها بتترعش شوية من البرد ومن الجوع، وبصّت للكرتونة اللي قدامها وقالت لنفسها الحمد لله حتى لو إندومي بس.
مدّت إيديها وفتحت الكرتونة ببطء الأول شافت الأكياس فعلًا، مرصوصة ونضيفة، بس وهي بتشيل أول صف، حاجة وقعت على الأرض بصوت خفيف.
بصّت كانت كيس صغير متقفول بشريط لاصق.
قلبها دق بسرعة فتحت الكيس، وإيديها بدأت تترعش أكتر.
جواه فلوس.
مش عشرين ولا خمسين لا، رزم صغيرة، كل واحدة متربطة بعناية. ومعاهم ورقة مكتوب عليها بخط بسيط
دي مش صدقة دي سلفة لحد ما تقفي على رجلك. عم إبراهيم
مريم قعدت على الأرض فجأة، ودموعها نزلت من غير صوت كانت فاكرة إنها لوحدها، وإن محدش حاسس بيها، لكن الراجل اللي دايمًا بيزعق هو الوحيد اللي كان شايف كل حاجة.
في نفس اللحظة، في أوضة تانية، ياسين فتح كرتونته ولقى نفس الحاجة.
خالد كمان وسعيد، ومنى، وكل واحد فيهم لقى كيس جواه فلوس،
واحد لقى وصل كهربا مدفوع،
واحدة لقت اشتراك كورس كانت محتاجة تدخله،
وواحد لقى حتى حذاء جديد بدل اللي كان مقطوع.
الدنيا كلها في السكن اتقلبت مفيش صوت غير صوت العياط.
مش عياط حزن عياط حد أخيرًا حس إنه مش متساب.
تاني يوم الصبح، الطلبة كلهم خرجوا من أوضهم، عيونهم حمرا، بس مش من السهر من التأثر. وقفوا في الطرقة مستنين عم إبراهيم.
الباب اتفتح، وخرج بنفس وشه العادي جامد، ومكشر.
قال واقفِين كده ليه؟ مفيش جامعة ولا شغل؟
محدش رد لحد ما مريم قربت خطوة وقالت بصوت مكسور
إحنا عارفين يا عم إبراهيم
سكت شوية وبص لهم بنظرة سريعة وقال بخشونة
عارفين إيه؟
ياسين طلع الظرف من جيبه وقال
إن الإندومي مكنتش هتبوظ.
سكون غريب ملأ المكان المطر بره كان خف، كأنه هو كمان بيستنى الرد.
عم إبراهيم لف وشه بسرعة وقال وهو بيزعق
يا عم امشوا من قدامي! أنا قولت لكم شيلوا كراتين وخلاص! مالكم ومال اللي جواها؟!
بس صوته كان مكسور لأول مرة.
مريم قربت أكتر وقالت
إحنا مش جايين نرجع الفلوس إحنا جايين نقولك
عم إبراهيم سكت إيده كانت بتترعش وهو بيحاول يطلع مفتاح من جيبه.
خالد قال بهدوء
حضرتك الوحيد اللي شافنا وإحنا نفسنا نرد جزء صغير.
عدّى أسبوع
السكن اتغير.
مش في شكله لكن في روحه.
الطلبة بقوا زي عيلة، كل واحد يساعد التاني. ومريم اقترحت فكرة
إيه رأيكم نعمل حاجة لعم إبراهيم؟
الكل وافق وبدأوا يجمعوا من بعض، اللي يقدر عليه.
ياسين اشتغل ساعات زيادة،
مريم رجعت تشتغل تاني،
وخالد باع حاجة كان بيحبها.
وفي يوم، قالوا لعم إبراهيم
في مشكلة في المخزن تعال شوف.
دخل وهو متضايق
هو أنا ناقص قرف؟
بس أول ما فتح الباب
وقف.
المخزن بقى أوضة صغيرة متجددة حيطانها متدهونة، فيها سرير جديد، دولاب، ومروحة، وإضاءة نضيفة.
وعلى الحيطة صورة قديمة ليه كانوا جايبينها من درج مكتبه، متعلقة في برواز شيك.
وتحتها ورقة مكتوب فيها
للي علّمنا إن الجدعنة مش بالكلام.
عم إبراهيم واقف مش بيتكلم.
مريم قالت بهدوء
إحنا عرفنا من الجيران إنك بتنام هنا من ساعة ما مراتك توفت ومكنش عندك أوضة لنفسك.
ياسين كمل
فقلنا أقل حاجة نعملها، إنك ترتاح
الراجل الكبير قعد على السرير ببطء وحط إيده على وشه.
وساعتها انهار.
أول مرة حد يشوف عم إبراهيم بيعيط.
مش عياط عادي عياط سنين، عياط وجع، ووحدة، وتعب كان مستخبي ورا صوت عالي وقلب طيب.
قال بصوت متقطع
أنا أنا مكنتش عايز حاجة منكم
مريم ردت بابتسامة
ولا إحنا.
ومن اليوم ده السكن مبقاش مجرد مكان.
بقى بيت.
عم إبراهيم مبقاش صاحب سكن بس بقى أب لكل واحد فيهم.
والإندومي؟
فضلت زي ما هي أكلة بسيطة.
بس الكراتين دي كانت السبب إن قلوب كتير تتصلّح، وناس تحس إنها مش لوحدها في الدنيا.
وأي حد كان يعدي من قدام السكن ويسمع ضحكهم مكنش هيصدق إن كل ده بدأ بكرتونة إندومي ومفاجأة من راجل قلبه أبيض، كان بيخبي طيبته ورا صوت عالي.
بعد اللي حصل في المخزن، حياة السكن ما رجعتش زي الأول رجعت أحسن بكتير. بقى فيه دفا غريب، مش من البطاطين القديمة ولا من المراوح اللي بتلف بالعافية دفا جاي من القلوب.
بس اللي محدش كان واخد باله منه إن عم إبراهيم نفسه اتغيّر.
بقى أقل عصبية، صوته واطي شوية، ونظرته بقت أهدى بس برضه محافظ على هيبته.