مكيدة من أهلي
كنت ماشية في الطرقة وسمعت صوت أبويا بيتكلم بمنتهى البرود كأنه بيقرر حاجة بسيطة، "أنا شايف إننا نعرض البيت للبيع الشهر الجاي"، والكلمة وقعت عليا زي حجر تقيل، وقفت مكاني ومش قادرة أتحرك، وبعدها صوت أمي الهادي وهي بتسأل "تفتكر نيرمين هتعارضنا؟"، والكلمة دي تحديدًا كسرت جوايا حاجة ما تتصلحش، لأن معناها إنهم خلاص قرروا من غيري، إن وجودي مجرد إجراء شكلي، وأنا واقفة بسمعهم بيتكلموا عن بيتي كأنه مش بتاعي، كأنه حاجة مشتركة يقرروا فيها براحته، وفي نفس اللحظة كنت شايفة أختي ساندي قاعدة بتضحك مع خطيبها، إيدها على بطنها، والبيت كله بيتعامل معاها كأنها مركز الكون، كأن كل حاجة لازم تدور حواليها، حتى لو ده معناه إنهم ياخدوا مني الحاجة الوحيدة اللي بتمثلني.
بيت جدتي ما كانش مجرد مكان، كان آخر حاجة بتربطني بحد حبني بصدق، كل ركن فيه أنا اشتغلت عليه بإيدي، كل تفصيلة فيه فيها وقتي وفلوسي وذكرياتي، كنت بروح له كل أسبوع أهرب من ضغط الشغل ومن إحساس إني دايمًا لازم أكون قوية، هناك بس كنت بعرف أكون نفسي من غير ما حد يطلب مني حاجة، وعشان كده لما سمعتهم بيخططوا يبيعوه حسيت إنهم مش بس بياخدوا بيت، ده بياخدوا مني الأمان الوحيد اللي عندي.
دخلت عليهم بهدوء مصطنع، وقعدت على السفرة كأني ما سمعتش حاجة، بس جوايا كان في بركان، أبويا بدأ الكلام الرسمي بتاعه وقال إنهم شايفين إن بيع البيت هو "أنسب حل"، وأمي حاولت تغلف القرار بكلام عن العيلة والمسؤولية، وساندي كانت بتتكلم عن الأوضة التانية كأنها خلاص ملكها، كأن كل حاجة اتحسمت، وساعتها حسيت إني لو سكت المرة دي، عمري ما هعرف أتكلم تاني، قلت "لا" بصوت واضح،
خرجت من البيت وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي، بس الغريب إن جوايا كان في حاجة بتتغير، لأول مرة ما كنتش مستعدة أتنازل، لأول مرة حسيت إن حقي مش حاجة أستأذن فيها، وبعدها بكام يوم لما أمي كلمتني وقالت إن أبويا بدأ إجراءات البيع فعلاً، وإن في معاينة هتحصل، فهمت إنهم مش هيتراجعوا، وإنهم شايفينني مجرد عقبة هتتخطى مع الوقت، وساعتها خدت قراري.
في نفس اليوم روحت على مكتب محامي كنت بتعامل معاه في شغلي، وريته عقد الملكية وكل الورق، وهو بصلي باستغراب وقاللي إن البيت مسجل باسمي بالكامل، وإن مفيش حد له أي حق قانوني فيه غيري، ساعتها حسيت بقوة رجعتلي، مش بس لأن القانون في صفي، لكن لأن الحقيقة بقت واضحة، أنا مش ضعيفة زي ما هم متخيلين، أنا بس كنت ساكتة.
يوم المعاينة جه، وأنا كنت هناك قبليهم، نظفت البيت، ورتبته، وقعدت في الجنينة مستنية، لما العربيات وصلت، أبويا نزل ومعاه سمسار وشخصين واضح إنهم جايين يشوفوا البيت، بصلي باستغراب وقال "كويس إنك جهزتي المكان"، كأنه بيشكرني على تنفيذ أوامره، وأنا ابتسمت ابتسامة هادية وقلتله "طبعًا".
دخلوا البيت وبدأوا يتفرجوا، السمسار بيتكلم عن المميزات، وأبويا بيهز راسه بفخر كأنه صاحب المكان، وساندي كانت ماشية وراهم بتبص في كل ركن كأنها بتختار حياتها الجديدة، وأنا ساكتة، مستنية اللحظة المناسبة.
لما وصلوا للصالون، قلت بهدوء "معلش ممكن ناخد دقيقة؟
بصيت لهم كلهم وقلت "أنا صاحبة البيت، ومفيش بيع هيحصل"، أبويا حاول يتكلم ويرفع صوته، بس أنا قاطعته وقلت "لو حد حاول يدخل هنا تاني من غير إذني، هاعتبره تعدي"، الكلمة كانت تقيلة عليهم، لأنهم أول مرة يشوفوني بالشكل ده.
الناس مشيت بسرعة، والجو اتقلب، أبويا بدأ يزعق ويتهمني إني بخرب العيلة، وأمي بكت وقالت إني قاسية، وساندي قالت إني أنانية ومش فارق معايا طفلها، بس المرة دي ما تأثرتش، لأن كل كلمة منهم كانت بتأكد إنهم عمرهم ما شافوني بجد، عمرهم ما قدروا تعبي ولا حقي.
سابوني ومشوا، وأنا فضلت واقفة في البيت، حاسة إني كسبت معركة كبيرة، بس الحقيقة إن القصة ما خلصتش هنا، لأن بعد الحادثة دي، العلاقة بيني وبينهم اتغيرت تمامًا، بقى في مسافة، في جفاء، مكالمات قليلة، زيارات شبه معدومة، وكأنهم بيعاقبوني لأني اخترت نفسي.
عدت شهور، وساندي خلفت، وعرفت من بعيد، ما حدش كلمني، وأنا ما حاولتش أقرب، مش كره، لكن حفاظ على نفسي، وفي يوم جالي اتصال من رقم غريب، كانت أمي، صوتها كان مختلف، هادي ومكسور، قالتلي "ممكن نشوفك؟"، وافقت بعد تردد.
قابلتهم في البيت، نفس البيت اللي كانوا عايزين يبيعوه، دخلوا وهم ساكتين، بصوا حواليهم كأنهم أول مرة يشوفوه، أمي قعدت وقالت "إحنا
بصيت لهم وقلت "أنا مش ضدكم.. أنا بس مع نفسي"، ودي كانت الحقيقة، أنا ما كنتش بحاربهم، أنا كنت بدافع عن حقي، وعن حاجة تخصني.
الزيارة خلصت بهدوء، ما رجعناش زي زمان، بس حصل نوع من التوازن، بقى في احترام، يمكن مش حب زي الأول، لكن احترام للحدود.
ورجعت أقعد في الجنينة، نفس المكان، نفس الهدوء، بس أنا مش نفس البنت اللي كانت مستعدة تضحي بكل حاجة عشان ترضي الكل، أنا بقيت عارفة إن اللي ما يحافظش على حقي، ما يستاهلش تضحيتي، وإن القوة مش في إنك تسكت.. القوة في إنك تقول "لا" في الوقت الصح.
والبيت؟ فضل مكاني، فضلت أزرع فيه وأصلح فيه وأعيش فيه اللحظات اللي بترجعلي نفسي، لأنه ببساطة.. كان أول حاجة اخترت أحافظ عليها، وأول مرة أختار نفسي من غير خوف.
بعد الزيارة دي، وبعد ما مشيوا وسابوا وراهم هدوء تقيل زي اللي بييجي بعد عاصفة، قعدت في الجنينة وقت طويل ببص على الشجر اللي أنا زرعته بإيدي، وبحاول أستوعب إن المعركة خلصت… بس الحقيقة إن اللي خلص كان مجرد فصل، لأن اللي جاي كان اختبار أصعب بكتير، اختبار مش بس لثباتي… لكن لقلبي كمان.
الأيام عدت بهدوء نسبي، رجعت لشغلي بنفس النظام القاسي، 60 ساعة في الأسبوع، صفقات وعملا ولف في دايرة مابتقفش، لكن الفرق إني بقيت برجع آخر اليوم وأنا عندي مكان أهرب له، مكان محدش ليه سلطة عليا فيه، وده كان بيديني طاقة أكمل، لحد ما في يوم، وأنا في الشغل، جالي اتصال من رقم غريب، رديت وأنا مش مركزة، لكن أول ما
كانت "ساندي".